ن.ع
بوابة الجزائر الإخبارية:لطالما عرفت فرنسا بكونها مختبر الديمقراطيات الحديثة، هاهي اليوم تقف على فوهة بركان اجتماعي وسياسي قد ينفجر في العاشر من سبتمبر 2025.
الإضراب العام الذي دعت إليه النقابات الكبرى، وساندته قوى المعارضة السياسية، ليس مجرد حراك عابر، بل حدث استثنائي يتوقع أن يعيد رسم خريطة التوازنات داخل المشهد الفرنسي.
منذ أن طرح رئيس الوزراء فرانسوا بايرو خطته للتقشف المالي، والبلاد تدخل في دوامة من الجدل والصراع، فالخطة التي تهدف – وفق الحكومة – إلى توفير 44 مليار يورو بحلول 2026 وخفض العجز إلى 4.6٪، تضمنت إجراءات وصفت بالقاسية، من إلغاء عطل رسمية وتجميد الإنفاق الاجتماعي، إلى تقليص عدد موظفي القطاع العام وتشديد شروط الحصول على إعانات البطالة. هذه التدابير لم تجد طريقها إلى قلوب الفرنسيين، بل فجّرت غضبا عارما اعتبر الأخطر منذ احتجاجات ” السترات الصفراء” في 2018.

حكومة بايرو، التي تعاني منذ ولادتها من هشاشة سياسية، تجد نفسها الآن في عين الإعصار. فمحاولات رئيس الوزراء استمالة الرأي العام عبر فيديوهات على يوتيوب وبودكاست لم تقنع أحدا، بل زادت من حدة السخرية ضده.
المعارضة اعتبرت مبادرته “مناورة متأخرة”، فيما رأى كثيرون أن الرجل يحاول “بيع الوهم” لمجتمع يئن تحت ثقل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
وعلى وقع هذا الاحتقان، بات المشهد الفرنسي مفتوحا على سيناريوهات شديدة التعقيد: هل سينجح بايرو في الصمود أمام العاصفة؟ أم أن 10 سبتمبر سيكون يوما فارقا يغيّر وجه الساحة السياسية الفرنسية؟ وهل يمكن أن يعيد الشارع الفرنسي سيناريو ” السترات الصفراء” ولكن بحدة أكبر هذه المرة؟

حكومة في مأزق .. مناورات متأخرة على حافة السقوط
منذ توليه منصبه، بدا بايرو كمن يسير على حبل مشدود بين البرلمان والشارع ، فالمعارضة لم تمنحه يوما فرصة للاستقرار، والشارع اعتبره مجرد امتداد لخيارات إيمانويل ماكرون التي فقدت شعبيتها، حتى الفيديوهات التي بثّها على يوتيوب والبودكاست، قدّمت صورة رئيس وزراء ” يائس” يحاول تلطيف الأجواء، لكنها فُسرت على أنها دعاية انتخابية مبكرة أكثر منها مبادرة جادة لإقناع الشعب.

المأزق الأكبر يتمثل في أن حكومة بايرو قد تواجه مذكرة حجب الثقة مجددا، ما يعني أن أي خطأ سياسي أو انزلاق في التعامل مع الإضراب قد يضعها أمام السقوط الحتمي.
خطة بايرو للتقشف صبّت الزيت على نار التراكمات
قال أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، الدكتور وديع مخلوف، في تصريح لـ”بوابة الجزائر“، إن السياق السياسي الذي دفع فرنسا إلى الدعوة لإضراب عام يوم 10 سبتمبر الجاري لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة لسياسات متراكمة اعتمدتها السلطة التنفيذية الفرنسية وأوصلت البلاد إلى أزمة أخلاقية غير مسبوقة.

وأوضح مخلوف أنّ هذه الأزمة تجسدت داخليا في اتساع الهوة بين طبقات المجتمع الفرنسي، فضلا عن تبنّي خطاب اليمين المتطرف في التعامل مع مكونات أساسية من المجتمع الفرنسي، كأبناء المهاجرين أو الفرنسيين من أصول أجنبية، وهو ما جعل النقاش ينحرف نحو البعد الانتمائي بدل معالجة القضايا الجوهرية مثل الأزمة المالية وتدهور المستوى المعيشي.
وأشار المتحدث إلى أنّ السلطة التنفيذية الفرنسية بدل أن تركز على مشاكلها الداخلية، راحت تفتعل أزمات خارجية لصرف الأنظار، مستشهدًا بالخلاف مع الجزائر وأخيرًا مع إيطاليا عقب استدعاء سفيرها في باريس.
وأكد أنّ هذا المسار جعل النقابات والأحزاب تدعو إلى إضراب قد يتجاوز في حجمه أحداث ماي 1968، بالنظر إلى عمق الأزمة التي تمس شريحة واسعة من المجتمع الفرنسي.
وبشأن ما إذا كانت خطة التقشف التي أعلنها بايرو هي الشرارة المباشرة وراء هذا الإضراب، أم أنّها نتيجة تراكمات سابقة، صرّح مخلوف بأن الإجابتين صحيحتان، فالخطة جاءت لتفجر تراكمات سابقة أبرزها حلّ البرلمان الفرنسي يوم 7 جويلية 2024 وما تبعه من فقدان حزب الرئيس أغلبيته النيابية، إضافة إلى تكرار سحب الثقة من الحكومات الفرنسية خلال العام الماضي، وهو ما كشف حجم التشنج السياسي وعدم الاستقرار المؤسساتي
. واعتبر أنّ هذا الوضع منح المعارضة والنقابات والمجتمع المدني ذريعة لرفض خطة بايرو للتقشف التي تستهدف تقليص العجز المالي بـ40 مليار يورو على حساب رفاهية المواطن الفرنسي.
وأضاف الدكتور مخلوف أنّ فرنسا تعيش منذ سنوات تراجعا ملحوظا على الأصعدة الإقليمية والدولية وحتى داخل الاتحاد الأوروبي.
وبيّن أنّ صورة الرئيس الفرنسي وهو ينتظر مقابلة نظيره الأمريكي دونالد ترامب في بهو البيت الأبيض رفقة باقي الزعماء الأوروبيين تختزل المكانة التي وصلت إليها باريس تحت قيادة ماكرون.
كما لفت إلى أنّ تعامل الجزائر مع فرنسا بندّية ووفق مبدأ المعاملة بالمثل أكد تغيّر الأوضاع بشكل نهائي، في حين كشفت موجة طرد النفوذ الفرنسي من إفريقيا عمق التراجع في القارة السمراء.
وفي سياق آخر، قال مخلوف إنّ استبعاد فرنسا من قمة ألاسكا حول الأزمة الأوكرانية رغم مساهمتها المالية والعسكرية يوضح بجلاء أنّها لم تعد في مصاف القوى الكبرى.
وأردف أنّ التراجع نفسه ينعكس داخل الاتحاد الأوروبي حيث فشلت باريس في فرض رؤيتها، خاصة مع تفضيل تشكيل كتلة أوروبية ذات بعد عسكري وأمني بدل الاكتفاء بالتصورات الاقتصادية الفرنسية.
وختم بالقول إنّ فرنسا، العاجزة عن التأقلم مع الحاضر والمتمسكة بماض تجاوزه الزمن، قد تلجأ مجددا إلى أدواتها التقليدية المرتبطة بالبعد الأمني والعسكري لاستعادة موقعها، لاسيما في إفريقيا التي شهدت منذ ستينيات القرن الماضي أكثر من ستين انقلابا عسكريا كان لفرنسا يد في أغلبها.
في غضون 10 أشهر .. أربع حكومات تسقط وفرنسا على فوهة بركان

قال المحلل السياسي، الدكتور حكيم بوغرارة لـ “بوابة الجزائر“، إنّ “الحكومة الفرنسية تعيش حالة فشل في إدارة الشأن الداخلي، إذ تواجه متاعب اقتصادية ضخمة، حيث تجاوزت الديون الداخلية 3300 مليار يورو، مع توقعات بأن تصل إلى 7000 مليار يورو في سنة 2027 إذا لم تتحرك فرنسا نحو إجراءات تقشفية صارمة، أبرزها فرض ضرائب جديدة على المواطن بقيمة 60 مليار يورو سنويا تقتطع من جيوب الفرنسيين على مدار خمس سنوات، وذلك استجابة لقيود الاتحاد الأوروبي الصارمة على الإصلاحات الاقتصادية”.
وأوضح بوغرارة أنّ “سياسات اليمين واليمين المتطرف، إضافة إلى نهج ماكرون، كانت فاشلة بكل المقاييس، إذ تسبب الرئيس الفرنسي منذ 2017 في إضافة ما يقارب ألف مليار يورو كديون جديدة، وهو رقم قياسي عالمي، جعل الديون الداخلية تمثل نحو 114 بالمائة من الناتج المحلي الخام”. وأضاف قائلا: “سقوط أربع حكومات في غضون عشرة أشهر يؤكد أنّ الداخل الفرنسي يعيش على فوهة بركان”.
وأشار إلى أنّ “الحكومة الفرنسية بدل الانخراط في إصلاحات حقيقية أو التكفل بالانشغالات الاجتماعية، وجدت في إثارة الأزمات مع الجزائر ورقة للتغطية على فشلها الداخلي”.
وتابع موضحا: “مع اقتراب الدخول الاجتماعي، تزايدت الأزمات خاصة بعد إعلان بايرو أنّ سنة 2026 ستكون بيضاء من حيث الزيادات في الأجور والاستثمار العمومي، وهو ما صدم الفرنسيين الذين يواجهون ارتفاعا كبيرا في التضخم، وغلاء المعيشة، وأسعار الطاقة”.
وأكد بوغرارة أنّ “هذه المؤشرات دفعت الرأي العام الفرنسي إلى جعل العاشر من سبتمبر المقبل محطة فارقة قد تنطلق منها ثورات اقتصادية واجتماعية تهدف إلى إزاحة الحكومة التي أوصلت البلاد إلى هذه الكوارث”.
وفي قراءته للمشهد السياسي، لفت المحلل السياسي إلى أنّ “أزمة فرنسا مرشحة لمزيد من التعقيد، خصوصا مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتفاقم أسعار الطاقة والتضخم، إلى جانب احتقان الداخل الفرنسي”.
وأردف قائلا: “في المقابل، أظهرت الجزائر قدرة كبيرة في إدارة الأزمات، الأمر الذي وضّح حقيقة اليمين واليمين المتطرف المسيطر اليوم على أهم الحقائب السيادية الفرنسية مثل الخارجية والداخلية والعدل”.
وأضاف بوغرارة: “هذا التيار الفاشل يصر على استفزاز المهاجرين والمسلمين، عبر إذكاء خطاب الإسلاموفوبيا وتحميلهم أسباب الفشل الفرنسي”.
وتابع: “أمام هذه المعطيات، يظل سقوط حكومة بايرو احتمالا كبيرا، وقد يصل الأمر إلى حل الجمعية الوطنية الفرنسية والدعوة إلى انتخابات تشريعية مسبقة”.
وعلى المستوى الدولي، قال بوغرارة إنّ “الانحسار الفرنسي واضح للعيان، لاسيما في إفريقيا، حيث تم طردها عسكريا وتكبدت هزائم استراتيجية في الساحل وشمال إفريقيا ومستعمراتها السابقة، وهو ما أضعفها اقتصاديا وتجاريا أمام القوى الكبرى”.
وأوضح أنّ “المبادلات التجارية الفرنسية مع دول الساحل لا تتجاوز 25 مليار دولار، في حين تصل مبادلات القوى الكبرى إلى 400 مليار دولار، ما يجعل الحصة الفرنسية هامشية”.
كما أضاف أنّ “فرنسا فشلت أوروبيا في تأليب الاتحاد الأوروبي على الجزائر من خلال محاولات يائسة لاتهامها بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، لكن الرد الإيطالي والألماني ، برفع مستويات التعاون مع الجزائر، شكّل ضربة قوية لباريس”.
وأردف قائلا: “الحصار طال فرنسا أيضا في الشرق الأوسط، سواء في سوريا أو لبنان أو القضية الفلسطينية، حيث انكشف زيف تبنيها لخيار حل الدولتين، الذي لم يكن سوى خديعة دعائية لتلميع صورتها أمام العرب والمسلمين.
غير أنّ الموقف المتواطئ للكيان الصهيوني عرّى هذه الورقة، خصوصا مع تصاعد المجاعة والإبادة في غزة دون أن تحرك باريس ساكنا. “
وختم بوغرارة بالقول إنّ “فرنسا فشلت كذلك في إدارة الملف الأوكراني، كما عكست صور اللقاءات المهينة مع ترامب حجم الضعف الأوروبي، لتبقى فرنسا ومعها الاتحاد الأوروبي يعيشان أسوأ أيامهما على الإطلاق”.
























