مطالب متصاعدة بإقالة وزير الصحة بعد فاجعة أكادير
ن.ع
بوابة الجزائر الإخبارية :في الايام الاخيرة، وجد المغرب نفسه وسط عاصفة من الغضب الشعبي بعد الفاجعة التي شهدها المستشفى الجهوي الحسن الثاني بأكادير، حيث فارقت عشر نساء الحياة في قسم التوليد طء دفي ظروف وصفت بالمأساوية. هذه الحادثة لم تكن مجرد خطأ طبي عابر او حادثة عرضية، بل تحولت الى شرارة فجرت بركانا من السخط ضد وزارة الصحة وحكومة عزيز اخنوش، وجعلت الشارع المغربي يرفع مطلبا واحدا بصوت عال: اقالة وزير الصحة .
لكن ما وقع في أكادير لم يكن سوى القمة الظاهرة لجبل جليد ضخم يخفي تحته واقعا اشد قتامة: منظومة صحية مأزومة، حكومة عاجزة عن تسيير قطاع حساس، ووزير جاء من شركة اقتصادية تابعة لعائلة اخنوش ليجد نفسه مسؤولا عن ارواح ملايين المواطنين.
وبين كل هذا، يطفو على السطح غياب المؤسسة الملكية بسبب مرض الملك محمد السادس، وهو ما خلق فراغا سياسيا عميقا وصراعا مكتوما حول الخلافة زاد من تعقيد المشهد.
فراغ القيادة وصراع الخلافة يضاعف الازمة
يعاني المغرب منذ فترة من غياب المؤسسة الملكية عن الفعل المباشر، بفعل الوضع الصحي للملك وابتعاده عن الحياة العامة. هذا الغياب ترك البلاد بلا مرجعية أعلى، وفتح الباب أمام تنافسات داخلية وصراع مكتوم حول من سيخلف الملك.
هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على المؤسسات الحكومية التي باتت تعمل دون غطاء سياسي صلب، فغابت القرارات الاستراتيجية الكبرى، وترك المجال مفتوحا امام الوزراء لتسيير القطاعات الحساسة بعشوائية او وفق اجندات شخصية مرتبطة بالمصالح الضيقة.
في هذا السياق، وجد المغاربة أنفسهم أمام منظومة صحية عاجزة، بلا قيادة عليا، وبلا رؤية، في وقت يحتاج فيه القطاع الى تدخل قوي يعيد الاعتبار لحق أساسي من حقوق الانسان وهو الحق في العلاج.
من شركة “سلوى” الى وزارة الصحة .. وزير بلا خبرة
أكثر ما أثار غضب الشارع المغربي هو المسار الذي جاء منه وزير الصحة الحالي امين التهراوي.
فبدل أن يكون من أبناء القطاع، عارف بخباياه وصعوباته، تم استقدامه من شركة “سلوى” التابعة لعائلة اخنوش.
هذه الخلفية الاقتصادية البعيدة كل البعد عن المجال الصحي جعلت الكثيرين ينظرون اليه كموظف في خدمة مصالح سياسية واقتصادية، أكثر منه وزيرا مسؤولا عن حياة الناس.
ولم يمض وقت طويل حتى اثبتت الوقائع هذا الانطباع.
فمنذ توليه الحقيبة، لم يقدم التهراوي اي خطة اصلاح حقيقية، بل اكتفى بخطابات عامة ووعود كبرى سرعان ما تبين انها مجرد فقاعات اعلامية.
فاجعة اكادير جاءت لتسقط القناع نهائيا، وتؤكد أن الوزير لا يملك الادوات ولا الخبرة لمواجهة الازمات ولا القدرة على قيادة قطاع بهذا الحجم من التعقيد.

فضيحة الأكاذيب .. قرارات وهمية وحقائق مغايرة
الشرارة الثانية التي اشعلت موجة الغضب ضد وزير الصحة كانت تصريحاته الاخيرة، التي أعلن فيها عن سلسلة من الاجراءات العاجلة ردا على فاجعة اكادير.
فقد تحدث عن اعادة تأهيل المستشفى الجهوي بميزانية 200 مليون درهم، واعفاء مديره السابق، ووقف التعامل مع شركات الحراسة والنظافة والاستقبال.
غير ان الوقائع جاءت لتفضح اكاذيبه واحدة تلو الاخرى.
اولا، الاتفاقية التي تحدث عنها الوزير سبق توقيعها في اكتوبر 2024 في عهد الوزير السابق، وليست مبادرة جديدة.
وقد نشرت جماعة اكادير نفسها تفاصيل الاتفاقية على صفحتها الرسمية، مؤكدة ان قيمتها بلغت 20 مليار و500 مليون سنتيم، اي ما يعادل 200 مليون درهم، وهو ما ينسف ادعاءات الوزير.
ثانيا، الحديث عن اعفاء مدير المستشفى لم يكن سوى مسرحية، اذ لم يكن للمستشفى مدير اصلا.
وزارة الصحة كانت قد اطلقت مباراة لاختيار مدراء المستشفيات، ومن بينها مستشفى اكادير، ما يعني أن “القرار” الذي أعلنه الوزير لا وجود له على أرض الواقع.
ثالثا، زعم الوزير وقف التعامل مع شركات الحراسة والنظافة والاستقبال، لكن الوثائق الرسمية اثبتت العكس: صفقة جديدة لخدمات الاستقبال أطلق في الثاني من الشهر الجاري، بينما تم تجديد صفقات الحراسة والنظافة بتاريخ 24 يوليو الماضي.
هذه التناقضات دفعت المتابعين الى وصف الوزير بـ”الكذاب”، معتبرين تصريحاته مجرد وهم يهدف الى خداع الرأي العام وايهامه بوجود اصلاحات كبرى لا وجود لها. وهكذا، تحولت وزارة الصحة الى مسرح للوعود الكاذبة والقرارات الورقية.
موت في المستشفيات .. حين يصبح العلاج ترفا
فاجعة اكادير لم تكن الاولى، ولن تكون الاخيرة، اذا ما استمرت السياسات الحالية. تقارير عديدة تحدثت عن نقص حاد في الاطباء والادوية والاسرة، وعن اقسام مكتظة تعجز عن استقبال المرضى، وعن نساء يلدن على الارض في غياب ابسط شروط الكرامة الانسانية.
هذا الواقع جعل اصواتا مغربية كثيرة تؤكد ان حياة المواطن اصبحت ارخص من اي شيء اخر، وان الحق في العلاج لم يعد مضمونا رغم انه حق دستوري.
بل ان بعض المقارنات المؤلمة وضعت المغرب في خانة غزة من حيث المعاناة، في مفارقة صادمة لشعب يعيش في بلد يوصف بأنه “نموذج للاستقرار والتنمية”.
غياب المحاسبة واستمرار الاستهتار
ما يزيد من حدة الازمة هو غياب أي شكل من أشكال المحاسبة.
فعلى الرغم من تكرار المآسي، لم تتم اقالة اي مسؤول كبير، ولم تتم محاسبة الوزير نفسه على تصريحاته الكاذبة.
هذا الغياب عزز الانطباع بان صحة المواطنين ليست اولوية للدولة، بل ورقة مهملة وسط صراع السلطة في القمة.
الحكومة من جهتها تلتزم الصمت، ورئيسها عزيز اخنوش يتصرف وكأن ما يجري لا يعنيه.
في المقابل، يجد المواطن نفسه وحيدا في مواجهة منظومة صحية متهالكة، بلا دواء ولا طبيب ولا سرير.





