بقلم محمد قنديل: مدون وناشط حقوقي وسياسي مغربي مستقل
أيُّها الحكمُ المتهالكُ على عرشه المطليّ بالزيف، كفى تزييفًا للموتِ بإسمِ النظامِ، كفى بذلاً لكرامة الإنسان كصفقةٍ بائسة تُدفع فيها أرواح الفقراء ثمن حفلاتٍ وبنى تحتية تُشَيَّدُ لعرضٍ دوليٍّ بينما المستشفياتُ تُفقد أرواحًا بطيئةً، لا تلفت لها الكاميرات إلا حين تتحول إلى أرقامٍ على بيانٍ رسميّ.
الحقيقةُ أكثر إيلامًاَ من أي بروباغاندا.. شبابٌ خرجوا يطالبون بقضاءٍ أفضلٍ وصحةٍ وتعليم، فكان جوابُ السلطة رصاصًا وإعتقالًا وحرقًا لضحكاتٍ لم تدرِ كيف تأخذ ثمنها.
إنها ليست صدفةً ولا مجرّد أخطاءٍ إدارية، بل سياسةٌ منظّمةٌ تتلمّسُ وجهَ الدولةِ الحقيقي.. جهازٌ أمنيٌّ يجهزُ على الحريات ويعاملُ الإحتجاجَ كجريمةٍ بالغةِ الخطورة، تقاريرُ منظماتِ حقوقِ الإنسان والأممِ أنْبَتَت HA أرضٍ قاحلةٍ موقفَ القمعِ المتواصل.. تفكيكُ إحتجاجاتٍ سلميةٍ، ملاحقةُ صحفيين ونشطاء، ومحاكماتٌ تُستَعملُ كأداةٍ لتكميم الأفواه، لا كوسيلةٍ للعدالة.
كيف تردّون على طفلٍ سقطت بين يديه براءةُ العالمِ حين قال :« لا أشعر بيدي »؟؟ كيف تردّون على أمٍّ رأت ولدَها يُسحبُ من الشارعِ على قارعةِ الظلمِ؟؟ لا علاجٌ ولا شفقةٌ تكفيان حين يصبحُ ردُّ الدولة إهاناتٍ تُغلفُها المصالحُ، حين يدّعي الحاكمُ أنّ بناء مستشفىٍ للأمراض العقلية أو افتتاح مشروعٍ سيُغسلُ العارَ التاريخيّ للقمع، كمن يضعُ بقنينةٍ على جرحٍ مفتوحٍ ويحسبُ نفسهُ طبيبًا.
الشارعُ لم يَجنّ، بل الجنونُ مُنحَ للسُّلطةِ حين إختارت أن تُعالجَ الإحتجاجَ بالرصاص والحبس بدل الحوارِ والإصلاح.
إنّ الغضبَ الذي تراهُم اليوم ليس عصا تُلوحُ بها مجموعاتٌ عابرة، إنه نتيجةُ تراكماتٍ من فشلٍ إقتصاديٍ منهجيّ، من سياساتٍ تُهمّش الفئاتَ الشّابةَ، ومن منظومةٍ تجعلُ الفسادَ كتابَ طبخٍ يُستعملُ في كلِّ وليمةٍ رسمية.. الشبابُ يصرخون لأنّ الحياةَ قد سُلبتْ منهم، يصرخون لأنّ الكرامةَ رُصِدتْ لها بوصلاتٍ لا تصلح إلا للسطوة.
ليس كُرهًا لشخصٍ أو لرمزٍ فقط، هو إستدعاءٌ للعدالةِ التاريخيةِ والإنسانيةِ.. أنتم، أيّها الذين تُمَثِّلونَ النظامَ، لا تَحمِلُون إسمَ الدولةِ بل تمثلون آلةَ الخوفِ.. القمعُ، المراقبةُ، السجنُ، والسخريةُ من حقوقِ المواطن، وكم هو مخزٍ أن تُجَاوَبُ صرخةُ الناسِ بتدشينِ مرافقٍ تُقدَّم كرشوةٍ للضميرِ الميت بدل حلّ جذورِ المشكلة.. هل يداوي إفتتاحُ مركزٍ للطب النفسي قلقَ بلدٍ يُطلقُ النارَ على مواطنيه؟؟ وهل تختصرُ السياساتُ التشاركيةُ في بياناتٍ وحملاتٍ إعلانيةٍ بينما المغرب يحترق؟؟
نقولها صريحًا.. إنّ دماءَ الشهداءِ التي سالتْ على أرضِ الوطنِ لن تُدفنَ بالوعودِ الزائِفةِ ولا بالبياناتِ الباردة، فكلُّ قطرةِ دمٍ فيها حكايةُ صرخةٍ ستتحوّلُ إلى سجلٍّ لا يُمحى، وستُطالبُ بالمحاسبةِ والإعترافِ والعدالةِ الحقيقيةِ.. لا تُشترَ الكرامةُ بالعروضِ والبناياتِ، ولا تُغسَلُ بالوعودِ السلطويةِ، لقد سلبتم حياةَ أجيالٍ من الفرصِ، فلتعلموا أنّ التاريخَ لا ينحلُّ في سجلاتِ البلاطِ ولا ينتعشُ في قصائدِ التلميعِ، التاريخُ ينتفضُ.
ختامًا.. لا تُسكتوا صوتَ الحقّ بتشييدِ مرافقٍ ولا تُسجِّلوا السلامَ بختمِ الخوف، ما يُريدُه الناسُ بسيطٌ واضحٌ.. صحةٌ لكرامةِ الأجسادِ، تعليمٌ لآفاقِ العقولِ، وعدالةٌ تُزيلُ القمعَ من لسانِ القانونِ ومن فعلِ الأجهزةِ الأمنية.
إنّنا مع الشبابِ الذين يطالبون بالعيشِ لا بالمواسمِ ولا بالمناسباتِ الدوليةِ، نحن معهم حين يصرخون، حريةٌ، كرامةٌ، عدالةٌ إجتماعية كمطلب أدنى، ومعهم حينما ينتفضون مطالبين بإسقاط النظام الملكي العفن كمطلب أقصى، وصوتُهم لن يُخمدَ بصفاراتِ القمعِ.
ملاحظة: الأراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن الخط التحريري لبوابة الجزائر














