ملاحظة: الأراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن الخط التحريري لبوابة الجزائر

بقلم محمد قنديل: مدون وناشط حقوقي وسياسي مغربي مستقل
شكلت التسريبات المنسوبة إلى مجموعة «جبروت» منعطفًا غير مسبوق في تاريخ المنظومة الملكية بالمغرب، ليس فقط من حيث طبيعة المعطيات التي جرى الكشف عنها، ولكن أساسًا من حيث الدلالات العميقة لهذا الإنكشاف داخل البنية التي كانت تعتبر نفسها في مأمن تام من الإختراق.. ما حدث لا يمكن قراءته كحادث تقني معزول أو فعل عدائي عابر، بل كعلامة على تآكل المنظومة من داخلها، وإنهيار السردية التي قامت لعقود على إدعاء السيطرة الصارمة وإمتلاك أدوات الردع المعلوماتي والأمني.
تسريب قاعدة معطيات تخص القصور الملكية، بما تمثله من رمزية سيادية، يكشف أن ما كان يُصنع في الظل لم يعد قابلًا للإحتكار.
إن مجرد وصول هذه المعلومات إلى الفضاء الرقمي، بصرف النظر عن حجم ما نُشر أو كيفية توظيفه، يؤشر على هشاشة غير مسبوقة في قلب الدولة العميقة، بحيث لم يعد الأمر مرتبطًا بقدرة طرف ما على الإختراق، بل بعدم قدرة المنظومة نفسها على حماية مواقع تعتبرها ضمن أعلى درجات السرية والتحصين.
المجموعة التي تقف خلف هذا التسريب لا تُقرأ اليوم كجسم خارجي معادٍ، بقدر ما تُفهم كإمتداد أو إنعكاس لصراع داخلي بين أجهزة متنازعة على النفوذ، وفي مقدمتها المخابرات الخارجية ( لادجيد ) والأمن الداخلي ( الديستي ).
ما يُتداول عن إنتماء «جبروت» إلى أجنحة الدولة السرية، سواء كأداة ضغط أو كأداة إنتقام أو كمنصة تصفية حسابات مؤجلة، يضع الحدث في سياقه الحقيقي.. دولة تعيش تشققًا في مراكز القرار، وتعيد إنتاج الفشل عبر تفويض أدواتها لتدمير بعضها البعض.
المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذا الإنهيار لا يمكن فصلها عن الحلقة الضيقة التي تدير الشأن العام فعليًا، فالقصر لم يعد مجرد رمز، بل بات طرفًا مباشرًا في صناعة الأزمة، بعدما فوّض سلطاته لشخصيات تحكم من خلف الواجهة وتتحكم في القرار الأمني والسياسي، علي الحمة، الذي تحول من ذراع إنتخابي إلى مستشار يتحكم في دواليب الحكم بقوة السحر والشعوذة، جسّد نموذجًا للشخص الذي يفرض الأمر الواقع خارج أي شرعية دستورية أو رقابية، وعبد اللطيف الحموشي، الذي يهيمن على الجهازين الأمني والإستخباراتي، بعدما كان شرطي نكرة أمام مكتب المقبور حميدو لعنيكري، بات اليوم يقود واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في علاقة الدولة بالمجتمع، حيث توسعت صلاحيات المراقبة والقمع بدل إعادة بناء الثقة أو تحديث البنية المؤسساتية.

تسريب أسماء موظفين داخل القصور لا يُقرأ هنا كإستهداف لأشخاص من الصف الإداري أو التقني، بل كضربة موجّهة لأسطورة الحصانة الملكية التي رُوّج لها بإعتبارها خطًا أحمر لا يُمس، هذا البعد الرمزي هو جوهر الفضيحة.. المنظومة التي تحصن القصر وتترك مؤسسات الدولة الأخرى مكشوفة لم تتمكن من حماية نفسها، ما يعني أن الخلل بنيوي لا عرضي، وأن الدولة التي تُدار أمنيًا لا يمكنها الصمود حين تتواجه مع أدوات مشابهة صنعتها بيدها أو سمحت بظهورها في الخفاء.

القيمة الحقيقية لما وقع لا ترتبط فقط بحجم البيانات المكشوفة، بل بكونها كسرت جدار الهيبة وفضحت تناقض الخطاب الأمني الرسمي، فالأجهزة التي أنفقت موارد هائلة لبناء صورة الردع الوقائي وإحكام القبضة على المجتمع لم تستطع تأمين مجالها الحيوي، وهذا يكشف أن الدولة التي تُبنى على السرية والولاء بدل الكفاءة والشفافية تحمل داخلها بذور إنهيارها، وحين تصبح المعلومة الأمنية مادة للتسريب أو التلاعب، فهذا يعني أن آلية التحكم خرجت من يد من ادعى إمتلاكها.
من هذا المنظور، يمكن إعتبار ما قامت به «جبروت» ليس مجرد فعل إختراق، بل مرآة لحقيقة أعمق.. هناك إنكسار في البنية المركزية للقرار، وتضارب في المصالح داخل الدوائر التي يُفترض أنها تتحكم في البلاد، هذا الإنكسار لا يفضح فقط ضعف الرقابة، بل يجرّد القصر نفسه من القدرة على الإدعاء بأنه ضحية، لأن الفشل إنطلق من داخله وبأدواته وتحت أعينه.
ما وقع ليس نهاية المعطيات بل بداية إنكشاف شامل، خصوصًا في ظل الصراع غير المعلن بين مراكز صناعة النفوذ التي تضع الإستقرار الشكلي فوق المصلحة العامة.
الأثر الأخطر لا يكمن في التسريب ذاته، بل في ما سيليه. المنظومة التي تفقد السيطرة على معطياتها السيادية تفقد تلقائيًا قدرتها على إحتكار روايتها الخاصة وعلى ردع المستقبل المحتمل، وما ظهر اليوم يفتح الباب أمام ما هو أعمق غدًا، ويجعل السؤال الحقيقي متعلقًا بمن يملك المعلومة وكيف سيتم توظيفها، ولمصلحة من ستُدار المرحلة المقبلة داخل دوائر مغلقة تعرف جيدًا أنها تعمل فوق أرض هشّة.
إن السياق الراهن لا يسمح بإعتبار الحادثة إنزلاقًا عابرًا، لأن بنيات الحكم التي تحالفت على خنق السياسة وتدجين المؤسسات وصناعة الولاءات بدل بناء دولة حديثة تدفع الآن ثمن هذا الخيار. ما حدث يعيد توجيه البوصلة نحو من يحتكر القرار ومن يختبئ خلف الواجهة، ويضع علي الحمة والحموشي وغيرهما من مهندسي الوضع القائم في قلب المساءلة التاريخية التي مهما تأجلت فإنها ستفرض نفسها.
ما كشفته * جبروت * يضع النظام أمام صورته الحقيقية لا الصورة التي يروّجها.. السردية الأمنية التي قامت عليها شرعيته لم تعد قادرة على إخفاء واقع التفكك الداخلي، ومن غير المهم إن كانت المجموعة ذراعًا من أذرع الإستخبارات أو كيانًا موازياً خرج عن السيطرة، لأن الخلاصة واحدة.. المنظومة لم تعد قادرة على حماية أسرارها ولا على إخفاء تصدّعها، وما جرى ليس سوى عينة أولى من إنهيار بدأ من الرأس قبل الأطراف.
ختاما رسالتي إلى الشعب.. لا تدعوا شبكات المحاباة والفساد التي يقودها ( أبناء الرائعات ) تستولي على مصير الوطن.. قاوموا الظلم، وطالبوا بمحاسبة من قاد البلاد إلى الخراب قبل أن يفقد الوطن آخر ما تبقى له من كرامة.































