بوابة الجزائر الإخبارية : كلما حققت دولة إفريقية عملية أمنية ناجحة ضد جماعة مسلحة، أو تمكنت قواتها من إنقاذ رهائن أو تفكيك شبكة إجرامية، تتجدد موجة من التفاؤل بأن القارة بدأت تستعيد زمام المبادرة الأمنية. هذا التفاؤل مفهوم، لكنه قد يصبح مضللاً إذا تحول إلى اعتقاد بأن نجاح العمليات العسكرية وحده يعني اقتراب نهاية الأزمة الأمنية في إفريقيا.فالواقع أكثر تعقيداً.شهدت السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً في أداء عدد من المؤسسات الأمنية الإفريقية.

فقد أصبحت بعض الجيوش وأجهزة الاستخبارات أكثر قدرة على تنفيذ عمليات مشتركة، وتحسن مستوى التنسيق بين القوات البرية والجوية والأجهزة الاستخباراتية، كما توسع استخدام التقنيات الحديثة في جمع المعلومات والاستطلاع. وهذه تطورات تستحق التقدير، لأنها تعكس تراكم الخبرة وتحسن الاحترافية.لكن هذه النجاحات، على أهميتها، تبقى انتصارات تكتيكية. أما التحدي الحقيقي فهو تحقيق مكاسب استراتيجية دائمة.فالجماعات المتطرفة في إفريقيا أثبتت خلال العقد الماضي قدرة كبيرة على التكيف. فعندما تخسر منطقة، تنتقل إلى أخرى. وعندما تُستهدف قياداتها، تعيد هيكلة شبكاتها.
وعندما تُغلق أمامها طرق التمويل التقليدية، تبحث عن مصادر جديدة عبر الجريمة المنظمة والتهريب والابتزاز. لذلك فإن تقييم النجاح بعدد المسلحين الذين قُتلوا أو حجم الأسلحة التي صودرت لا يكفي لقياس ما إذا كان التهديد قد تراجع بالفعل.الأمن المستدام لا يُقاس بنتائج عملية واحدة، بل بقدرة الدولة على منع عودة التهديد بعد انتهاء العملية.وهنا يبرز التحدي الأكبر. ففي أجزاء واسعة من القارة، لا تزال هشاشة المؤسسات، وضعف الإدارة المحلية، والبطالة، والنزاعات المجتمعية، والحدود المفتوحة، عوامل تمنح الجماعات المسلحة مساحة لإعادة تنظيم نفسها.
ولهذا فإن المعركة ليست عسكرية فقط، بل هي معركة تتعلق ببناء الدولة وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتها.وفي الوقت ذاته، تواجه إفريقيا بيئة أمنية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالإرهاب لم يعد منفصلاً عن الجريمة المنظمة، ولا عن الفضاء السيبراني، ولا عن شبكات تهريب السلاح والبشر والمخدرات. كما أن التنافس الدولي على النفوذ والموارد يضيف طبقة أخرى من التعقيد، تجعل بعض الأزمات المحلية مرتبطة بحسابات إقليمية ودولية أوسع.
لهذا السبب، تبدو الدعوات إلى حلول أمنية إفريقية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. غير أن هذه الحلول لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة إلى الانعزال عن العالم، بل إلى بناء قدرة ذاتية تجعل الشراكات الخارجية داعمة للقرار الإفريقي، لا بديلاً عنه.
ويبدأ ذلك بتطوير التعاون الاستخباراتي بين الدول الإفريقية، وتعزيز أمن الحدود، والاستثمار في التكنولوجيا، وتبادل الخبرات، وبناء مؤسسات قادرة على الاستجابة السريعة للتهديدات المتغيرة.
كما يتطلب معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية التي تستغلها الجماعات المسلحة لتجنيد الأفراد وتوسيع نفوذها.إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الحكومات هو الخلط بين النجاح العملياتي والنجاح الاستراتيجي.
فقد تنجح قوة عسكرية في تنفيذ عملية معقدة بكفاءة عالية، لكن النجاح الحقيقي لا يتحقق إلا عندما تصبح تلك العملية جزءاً من سياسة شاملة تؤدي إلى تراجع العنف عاماً بعد عام، واستعادة الدولة لسلطتها، وتحسن حياة المواطنين.
لقد أثبتت التجربة أن الأمن لا يُفرض بالقوة وحدها، كما أن التنمية لا تزدهر في ظل انعدام الأمن. ولهذا فإن مستقبل إفريقيا لن يتحدد بعدد العمليات العسكرية الناجحة، بل بقدرتها على بناء مؤسسات قوية، واقتصادات أكثر صلابة، وشراكات إقليمية أكثر فاعلية.
إن القارة لا تعاني من نقص في الشجاعة أو الكفاءة المهنية داخل مؤسساتها الأمنية، بل من الحاجة إلى تحويل الإنجازات الميدانية إلى مشروع استراتيجي طويل الأمد. وعندما يحدث ذلك، لن تكون الانتصارات مجرد أخبار تتصدر العناوين، بل خطوات حقيقية نحو استقرار دائم يعزز سيادة الدول ويحمي شعوبها.
بقلم : إدريس محمد سنوسي، محلل سياسي نيجيري



































