بوابة الجزائر الإخبارية: لم يكن رد فعل الرباط على الفيتو الروسي داخل مجلس الأمن مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل كشف عن ارتباك واضح في طريقة تعاملها مع تطورات ملف الصحراء الغربية. فبعد أن استخدمت موسكو حق النقض لإسقاط المشروع الأمريكي المتعلق بالملف، والذي كان يصب في اتجاه تعزيز الطرح المغربي، سارع الديوان الملكي إلى إصدار بلاغ يدعو إلى سحب قضية الصحراء الغربية من جدول أعمال مجلس الأمن، وإنهاء الاجتماعات والتقارير الأممية المرتبطة بها مفسرا عدم تجديد ولاية المينورسو بأنه دليل على طي ملف الصحراء الغربية داخل أروقة الأمم المتحدة .

وبدلاً من التعامل مع تعثر المشروع الأمريكي باعتباره انتكاسة لحليفها داخل مجلس الأمن، اختارت الرباط الذهاب أبعد من ذلك، عبر المطالبة عملياً بالتخلي عن الإطار الأممي الذي ظل يشكل المرجعية الدولية لإدارة النزاع لعقود. وهي خطوة تثير أكثر من علامة استفهام حول منطق الحسابات المغربية، إذ يبدو أن العجز عن تمرير مشروع يخدم مواقفها تحوّل إلى مبرر للمطالبة بإنهاء المسار الذي لم تستطع فرض أجندتها من خلاله.
إنها مفارقة دبلوماسية لافتة: حين لا تأتي المؤسسات الدولية بالنتائج التي تريدها الرباط، يصبح الحل بالنسبة إليها المطالبة بالتخلص من تلك المؤسسات وآلياتها، وكأن تعثر تصويت داخل مجلس الأمن يكفي لإعلان نهاية نزاع دولي لم يُحسم بعد.
الفيتو الروسي يسقط الرهان الأمريكي.. والرباط تبحث عن مخرج سياسي
شهد مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر مواجهة دبلوماسية غير معتادة بشأن الصحراء الغربية، بعدما استخدمت روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي الذي كان يسعى إلى تجديد ولاية بعثة المينورسو، مع إعادة هيكلة مهامها، وتكريس المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الأساس الوحيد للمفاوضات.
ورغم حصول المشروع الأمريكي على 11 صوتاً مؤيداً، وثلاثة امتناعات، فإن الفيتو الروسي حال دون اعتماده، في ضربة واضحة للمساعي الأمريكية الرامية إلى تمرير صيغة أكثر انسجاماً مع الموقف المغربي.
ولم تتوقف المواجهة عند هذا الحد، إذ طرحت موسكو مشروعاً مضاداً يقضي بتمديد ولاية المينورسو عاماً إضافياً دون تغيير جوهري في مهامها، غير أن المشروع لم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت معارض و11 امتناعاً، ما أدى إلى سقوطه بدوره.
وهكذا انتهت الجلسة دون اعتماد أي من المشروعين، في مشهد عكس انقساماً حاداً بين القوى الكبرى، وأكد أن الملف لا يزال بعيداً عن التسوية التي تحاول بعض الأطراف تصويرها باعتبارها أمراً محسوماً.
غير أن اللافت لم يكن فقط سقوط المشروع الأمريكي، بل الطريقة التي اختارت بها الرباط التعامل مع هذه النتيجة؛ فبدلاً من مراجعة حساباتها الدبلوماسية أو البحث عن أرضية توافقية جديدة، سارعت إلى تقديم عدم تجديد ولاية المينورسو باعتباره انتصاراً استراتيجياً، وذهبت إلى حد المطالبة بإنهاء إحالة الملف على مجلس الأمن.
بلاغ الديوان الملكي.. من تعثر التصويت إلى إعلان نهاية النزاع
في بلاغه الصادر عقب جلسة التصويت، اعتبر الديوان الملكي أن عدم تجديد ولاية المينورسو يمثل خطوة مهمة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء الغربية داخل الأمم المتحدة، مطالباً بإنهاء الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن، والتقارير المتعلقة بالنزاع، وإحاطات المبعوث الشخصي للأمين العام.
كما ذهب البلاغ إلى اعتبار وجود البعثة الأممية، بأفرادها ومعداتها ورموزها، أمراً ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة، واصفاً بذلك صفحة 35 عاماً بأنها طُويت.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الموقف المغربي: كيف يمكن تحويل فشل مجلس الأمن في اعتماد قرار، أياً كانت خلفياته، إلى إعلان سياسي بانتهاء الحاجة إلى الإشراف الأممي على نزاع لم تتم تسويته؟
فعدم التوصل إلى توافق داخل المجلس لا يعني أن المجلس حسم النزاع، ولا أن أحد أطرافه حصل على تفويض دولي بالتصرف في مستقبل الإقليم بصورة أحادية. ما حدث هو تعثر مؤسساتي في اعتماد نصين متنافسين، وليس قراراً أممياً يمنح السيادة لطرف أو يلغي المطالب المقابلة.
بل إن المشروع الأمريكي، الذي كان يفترض أن يشكل دفعة قوية للموقف المغربي، لم ينجح في تجاوز الفيتو الروسي، فيما لم يتمكن المشروع الروسي من الحصول على الأغلبية المطلوبة. وبالتالي، فإن تقديم النتيجة باعتبارها انتصاراً مغربياً مكتمل الأركان يتجاهل حقيقة أساسية: لا واشنطن نجحت في تمرير مشروعها، ولا موسكو فرضت مشروعها، ولا مجلس الأمن أصدر قراراً جديداً يحسم النزاع.
المينورسو ليست بعثة يمكن طي صفحتها ببلاغ سياسي
تبدو محاولة الرباط القفز من عدم تجديد ولاية المينورسو إلى المطالبة بإنهاء الملف الأممي برمته أكثر إشكالية عند العودة إلى الأساس الذي أنشئت بموجبه البعثة.
فالمينورسو تأسست سنة 1991 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690، في سياق خطة التسوية الأممية التي ارتبطت بتنظيم استفتاء يتيح لشعب الصحراء الغربية تقرير مستقبله، إلى جانب مراقبة وقف إطلاق النار.
ولم يكن وجودها مجرد إجراء إداري أو امتياز ممنوح لأحد الأطراف، بل جزءاً من آلية أممية للتعامل مع نزاع لم يصل إلى تسوية نهائية.
كما أن القرار 2797 الصادر سنة 2025، والذي مدد ولاية البعثة حتى 31 أكتوبر 2026، لم يلغ مبدأ تقرير المصير، بل أشار إلى ضرورة أن يتيح أي حل سياسي نهائي ومتوافق عليه لشعب الصحراء الغربية ممارسة هذا الحق.
وبالتالي، فإن انتهاء ولاية البعثة أو تعثر تجديدها لا يعني تلقائياً انتهاء النزاع، ولا يمنح الرباط حق إغلاق الملف الدولي بقرار أحادي، كما لا يحوّل السيطرة الفعلية على الإقليم إلى سيادة محسومة دولياً.
والأكثر تناقضاً أن المغرب ظل يستند إلى قرارات مجلس الأمن عندما تخدم قراءته السياسية للنزاع، لكنه يطالب اليوم بالتخلي عن الإطار الأممي نفسه عندما لا تأتي نتائجه مطابقة لتطلعاته. إنها مقاربة انتقائية للشرعية الدولية، قوامها التمسك بالمؤسسات حين تمنح المكاسب، والتشكيك في ضرورتها حين تفرض استمرار النزاع ضمن قواعد التفاوض والتسوية.
مناورة دبلوماسية أم محاولة لفرض أمر واقع جديد؟
وتزداد دلالات الموقف المغربي أهمية في ضوء ما كشفه موقع «Le Desk» الفرنسي في تقرير نشره يوم 31 أكتوبر، إذ أفاد، استناداً إلى معلومات قال إنه حصل عليها، بأن موسكو أبلغت الرباط مسبقاً بعزمها استخدام الفيتو ضد المشروع الأمريكي، كما أطلعتها على نيتها تقديم مشروع بديل.
ووفقاً للتقرير، فإن البلاغ الملكي كان قد أُعد قبل انعقاد جلسة التصويت، كما كانت واشنطن وباريس على علم بمضمونه، ما يعني أن الرباط لم تفاجأ بالسيناريو الذي انتهت إليه الجلسة، بل كانت تستعد مسبقاً لاستثماره سياسياً.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات بشأن طبيعة الحسابات التي سبقت الإعلان عن الموقف الملكي، ومدى ارتباطه بتعثر المشروعين أكثر من ارتباطه بتحول قانوني فعلي في وضع النزاع.
وإذا صحت هذه المعلومات، فإن ما جرى لا يبدو مجرد رد فعل سريع على انتكاسة دبلوماسية، بل أقرب إلى توظيف سياسي محسوب لفراغ مؤسساتي مؤقت، بهدف الدفع نحو واقع جديد تتراجع فيه الرقابة الدولية، وتتقدم فيه المقاربة المغربية القائمة على فرض الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الإطار الوحيد المقبول.
لكن إعداد البلاغ مسبقاً لا يجعل مضمونه حقيقة قانونية، كما أن الاستعداد لسيناريو عدم التمديد لا يعني امتلاك القدرة على تحديد النتائج السياسية والقانونية المترتبة عليه.
«عيد الوحدة».. توظيف الرمزية الوطنية لتسويق مكسب لم يتحقق
ولم يكن اختيار توقيت البلاغ الملكي ليتزامن مع الاحتفال بما يسمى «عيد الوحدة» تفصيلاً عابراً. فقد حرص الخطاب الرسمي على وضع التطور الأممي في سياق احتفالي، وكأنه تتويج لمسار دبلوماسي حُسمت نتائجه، في محاولة لربط تعثر مجلس الأمن بما يشبه الانتصار الوطني.
وهذه واحدة من أبرز أدوات التواصل السياسي التي اعتمدتها الرباط في التعامل مع الملف: تحويل كل تطور قابل للتأويل إلى مكسب استراتيجي، وتقديمه للرأي العام باعتباره دليلاً على اقتراب الحسم النهائي، حتى عندما تكون الوقائع أكثر تعقيداً.
فالمشروع الأمريكي الذي كان يفترض أن يشكل دفعة قوية للموقف المغربي لم يمر، والمشروع الروسي لم يمر بدوره، فيما لم يصدر عن المجلس قرار جديد يمنح المغرب السيادة على الإقليم أو ينهي المطالبة الصحراوية بتقرير المصير.
أما حديث الديوان الملكي عن تأييد أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة لمبادرة الحكم الذاتي، فهو ادعاء وارد في البلاغ الرسمي، ولا ينبغي الخلط بين مواقف الدول المؤيدة للمبادرة وبين اعتراف دولي جماعي ونهائي بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية. فالدعم السياسي لمقترح تفاوضي لا يساوي تلقائياً حسم الوضع القانوني للإقليم.
الرهان على إنهاء الرقابة لا يعني إنهاء النزاع
إن أخطر ما في الموقف المغربي لا يكمن فقط في المبالغة في تصوير نتائج جلسة مجلس الأمن، بل في محاولة تقديم غياب المينورسو باعتباره مكسباً بحد ذاته، دون تقديم تصور واضح لكيفية ضمان استمرار مراقبة وقف إطلاق النار، وحماية الاستقرار، وتوفير الضمانات اللازمة لأي مسار سياسي مقبل.
فالمينورسو، رغم محدودية صلاحياتها والانتقادات التي طالت أداءها، ظلت جزءاً من منظومة أممية لإدارة النزاع ومراقبة وقف إطلاق النار. وإنهاء ولايتها دون اتفاق بديل واضح يطرح أسئلة جدية بشأن مستقبل المنطقة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الميدانية منذ استئناف الأعمال العدائية سنة 2020.
وقد حذرت منظمة أوكسفام من أن فقدان البعثة لدورها في المراقبة وخفض التصعيد قد يعرض المدنيين والاستقرار الإقليمي لمخاطر إضافية.
وهنا تبرز مفارقة الموقف الرسمي: كيف يمكن الحديث عن التمسك بوقف إطلاق النار والحرص على الاستقرار، في الوقت الذي يُحتفى فيه بزوال إحدى الآليات الدولية التي ساهمت في مراقبته؟ وأي ضمانات بديلة تُطرح لتفادي تحول الفراغ الأممي إلى عامل إضافي لتصعيد التوتر؟
تكشف التطورات الأخيرة أن الرباط تحاول استثمار تعثر مجلس الأمن في إعادة صياغة المشهد السياسي بما يخدم روايتها الرسمية، مستفيدة من الانقسام بين القوى الكبرى، ومن حالة الإحباط التي أصابت المسار الأممي بعد سقوط مشروعي القرار.
لكن الفارق كبير بين تعطيل قرار داخل مجلس الأمن وبين حسم نزاع دولي، وبين تعثر آلية أممية وبين إسقاط الأسس التي قام عليها الملف.
فالصحراء الغربية لا تتحول إلى قضية محسومة لمجرد انتهاء ولاية بعثة أممية، كما أن تكرار الحديث عن الانتصارات لا يعوض غياب تسوية سياسية تحظى بالقبول وتضمن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره.
لقد اختارت الرباط أن تقرأ إخفاق المشروع الأمريكي باعتباره فرصة لإعلان نهاية مرحلة، وربما لتسويق انتصار لم تمنحه صناديق التصويت. غير أن الدبلوماسية لا تُقاس ببلاغات الاحتفال، ولا تُحسم النزاعات بإعلان أحد أطرافها أنه انتصر.
إن محاولة الهروب من تعقيدات المسار الأممي بدلاً من مواجهة استحقاقاته لا تعكس قوة الموقف بقدر ما تكشف محدودية الخيارات المتاحة أمامه. فالمؤسسات الدولية ليست منصات تُستخدم عند الحاجة ثم يُطالب بإغلاق أبوابها عندما لا تأتي نتائجها وفق الرغبات السياسية لأحد الأطراف.













