بوابة الجزائر الإخبارية : حين تضيق المهدات بأطفال الأمس، وتزهر على شفا الوجوه مخايل البلوغ وأشواق الرجولة، تفتح الغابة الأفريقية العميقة ذراعيها الموحشتين لترتاد أبواباً لا تطرقها إلا الأرواح الجريئة. هناك، في تخوم جنوب تشاد الساحرة، حيث تتداخل ظلال الأشجار العتيقة بأنفاس الأرض الحارة، تبدأ ملحمة العبور الكبرى: طقوس “اليوندو“.
إنها ليست مجرد رحلة، بل هي معراج روحي وتربوي تُصقل فيه نفوس الفتيان كما تُصقل السيوف الصقيلة في كور الحداد، لتتحول طفولتهم الغضة إلى صلابة فولاذية تتسع لحمل أعباء القبيلة وأمانة الأسلاف.
الغابة: الأم القاسية والمدرسة الكبرىتغادر طوابير الفتيان بيوت القرية وزغاريد الأمهات تودعهم بدموع مزجت بالفخر والخوف، كمن يسلم ليل الشتاء رياح التحدي.
وحين تبتلعهم أشجار الغابة الكثيفة، ينقطع الحبل السرّي بينهم وبين الدعة والراحة.تصبح الغابة في ميزان “اليوندو” أماً قاسية لكنها حانية العطاء؛ تعلمهم بضربات صامتة أن الحياة لا تمنح صكوك نضجها للمترفين.

هنا، تصبح قسوة الطبيعة مرآةً لنفوسهم؛ فكل غصن شائك هو درس في الصبر، وكل ليلة مظلمة تحت سماء غائمة هي اختبار لليقظة والشجاعة. “في حضرة الغابة، يسقط صبيان القرية كأوراق الشتاء الميتة، لتولد من رحم الصمت عروشٌ جديدة للرجولة والمسؤولية.”
بوتقة الصبر: حيث يُذوب الضعف ليبقى الجوهرفي هذا المخيم المنسي بين حضن الأرض وقمم الأشجار، تتكدس الأيام بثقلها، لكنها تمضي خفيفة على من فهموا رسالة الآباء.
يخضع الفتيان لبرنامج تربوي دقيق، أشبه بالنحت على صخر صلد:
ترويض النفس وهجر الدعة: يتعلم الفتيان كيف يطوعون أجسادهم للجوع والعطش، وكأنهم يروّضون جاموساً طريداً، ليعلموا أن البطون الخاوية هي التي تحيي العقول الحكمة.
استنطاق الموروث: تحكي لهم ليالي السمر المعتمة بضوء الجمر حكايات الأجداد، لتجري عادات القبيلة وقيمها في عروقهم مجرى الدم في الوريد، فيرثون الشجاعة كابراً عن كابر. حمل المسؤولية: يتدربون على حماية الجماعة والاعتماد على الذات، لتغدو أكتامهم الطرية قادرة على تحمّل أثقال القرية ومواجهة نوائب الدهر.

الفجر الجديد: ولادة من رحم العتمةحين تنقشع غيوم المحنة، ويعود الفتيان إلى قراهم، لن يكونوا هم أولئك الأطفال الذين غادروها قبل أسابيع.
إنهم يعودون كالصقور التي كسرت طوق العش لتلامس بجباهها عنان السماء. خطواتهم ثابتة كجذور أشجار البابونج، ونظراتهم واثقة كشمس الظهيرة في أفق تشاد الواسع.تستقبلهم القرية لا كأبناء صغار، بل كحماة جدد للنار وأمناء على الإرث.
وبانتهاء طقوس “اليوندو”، يدرك الجميع أن ليل الغابة الطويل لم يكن سوى القالب الذي سُكبت فيه أرواح الرجال.. رجال عجن طينهم بصبر الأرض، وتشرّبت قلوبهم عزة الآباء.
















