بوابة الجزائر الاخبارية : في خضم التحولات المتسارعة التي تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، تبرز “حروب الوكلاء” كأحد أكثر الأدوات تأثيرا في إدارة الصراعات دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. هذا النمط من الحروب، الذي تتقنه قوى إقليمية عدة وعلى رأسها إيران، بات يشكل ركيزة أساسية في تحقيق النفوذ بأقل كلفة ممكنة، مع تعظيم المكاسب السياسية والعسكرية.
وبينما تتعدد ساحات الاشتباك من لبنان إلى اليمن و العراق، يظل السؤال مطروحا حول حدود هذه الاستراتيجية وقدرتها على الصمود في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.

وفي هذا السياق أكد الخبير العسكري والاستراتيجي الأردني نضال أبو زيد في تصريح لـ بوابة الجزائر الإخبارية، أن ما يُعرف بـ”حروب الوكلاء” يمثل خيارا استراتيجيا مفضلا لدى إيران، نظرا لانخفاض كلفته المباشرة وارتفاع مردوده السياسي والعسكري.
وأوضح أن هذا النوع من الحروب يقوم على قاعدة معروفة في الدراسات العسكرية، مفادها أن الوكيل يتحمل الخسارة وحده في حال الهزيمة، بينما يُنسب النصر إليه وإلى الجهة الداعمة في حال التفوق، وهو ما يمنح الدولة الراعية قدرة على تحقيق مكاسب دون الانخراط المباشر في المواجهة.
ولشرح هذه المقاربة، استحضر أبو زيد حرب عام 2006، حيث حقق حزب الله تفوقا ميدانيا على الجانب الإسرائيلي، مشيرا إلى أن إيران استفادت من هذا التفوق سياسيا وعززت حضورها الإقليمي، خاصة في الساحة السورية.
وأضاف أن هذا المسار تُوّج في عام 2015، عندما خاضت طهران مفاوضات دولية قادها وزير الخارجية آنذاك محمد جواد ظريف إلى جانب الرئيس حسن روحاني، والتي أفضت إلى توقيع الاتفاق النووي مع القوى الكبرى.
وفي المقابل، أشار إلى أن إيران غالبا ما تتخلى عن حلفائها عند تعرضهم لضغوط أو انتكاسات، معتبرا أن ما حدث في الحروب الأخيرة يعكس هذا النهج، حيث تُركت بعض الأطراف، وعلى رأسها حزب الله، لمواجهة التحديات بمفردها، وهو ما ينطبق أيضا على الحوثيين في اليمن والفصائل المسلحة في العراق.
وأكد المتحدث أن هذه الاستراتيجية بلغت ذروتها خلال فترة قيادة قاسم سليماني، قبل أن تتراجع نسبيا مع خلفه إسماعيل قاآني.
لكن في مقابل هذا النهج غير المباشر، لم تغب المواجهة الصلبة عن السلوك العسكري الإيراني.
ففي أكثر من محطة، انتقلت طهران من إدارة الصراع عبر الوكلاء إلى إظهار قدراتها العسكرية بشكل مباشر، كما حدث مؤخرا عند إعلانها إسقاط طائرة أمريكية من طراز “إف- 15 ” ، في خطوة حملت رسائل ردع واضحة وأكدت أن استراتيجية “الظل” يمكن أن تتكامل مع استعراض القوة عند الضرورة.
ويرى متابعون أن هذا التداخل بين العمل غير المباشر والردع المباشر يمنح إيران مرونة استراتيجية، لكنه في الوقت ذاته يرفع من احتمالات الانزلاق نحو مواجهات أوسع، خاصة في بيئة إقليمية شديدة الحساسية.


































