ياسمين.و
بوابة الجزائر الإخبارية: ألقت استقالة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، بظلالها على المشهد السياسي الفرنسي، مُعيدة إلى الأذهان أزمات الجمهورية الرابعة (1946-1958) التي شهدت تساقط الحكومات الواحدة تلو الأخرى بسبب الشلل البرلماني.
جاءت الاستقالة بعد أقل من شهر من تعيين لوكورنو في 9 سبتمبر 2025، وبعد ساعات قليلة من إعلان تشكيلة حكومته الجديدة، مما يجعله أقصر رئيس وزراء خدمة في تاريخ الجمهورية الخامسة.
هذه الاستقالة، الثالثة في أقل من عام، تكشف عن أزمة سياسية واقتصادية عميقة تهدد استقرار فرنسا.
أزمة سياسية متفاقمة
تعيش فرنسا حالة من الفوضى السياسية منذ الانتخابات التشريعية المبكرة في يونيو 2024، التي أنتجت برلمانًا منقسمًا بين الجبهة الشعبية الجديدة (اليسار)، التجمع الوطني (اليمين المتطرف)، ومعسكر الرئيس إيمانويل ماكرون (الوسط)، دون أغلبية واضحة.
هذا الانقسام أدى إلى شلل تشريعي، دفع الحكومات المتعاقبة إلى استخدام المادة 49.3 من الدستور لتمرير مشاريع قوانين دون تصويت برلماني، مما أثار غضب المعارضة وزاد من التوترات الاجتماعية.
استقالة لوكورنو جاءت بعد انتقادات حادة لتشكيلة حكومته، التي وُصفت بـ”غير المتوازنة”، خاصة مع إعادة تعيين شخصيات مثيرة للجدل مثل برونو لي ماير في منصب وزير الدفاع. اتهم لوكورنو الأحزاب السياسية بعدم الرغبة في توافق يخرج فرنسا من أزمتها السياسية مشيرًا إلى استحالة العمل في ظل برلمان منقسم ، وقد قبل الرئيس ماكرون الاستقالة، وكلفه بإجراء مشاورات عاجلة مع الأحزاب بحلول الأربعاء لمحاولة إيجاد حل للأزمة.
لوكورنو هو ثالث رئيس وزراء يسقط منذ ديسمبر 2024، بعد ميشال بارنييه (ديسمبر 2024) وفرانسوا بايرو (سبتمبر 2025)، اللذين أُطيح بهما عبر تصويتات حجب الثقة بسبب سياسات التقشف المثيرة للجدل. هذا الوضع أثار مخاوف من تكرار سيناريو الجمهورية الرابعة، حيث سقطت 24 حكومة في 12 عامًا.
الوضع الاقتصادي: أرقام مقلقة
تعاني فرنسا من أزمة اقتصادية متفاقمة، حيث أفاد المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE) أن الدين العام بلغ 3,345.4 مليار يورو بنهاية الربع الأول من 2025، أي 113.9% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزًا بكثير سقف معاهدة ماستريخت (60%) ، كما سجل عجز الموازنة 5.5% من الناتج المحلي في 2024، مع توقعات بارتفاعه إلى 6% في 2025 إذا لم تُتخذ إجراءات صارمة.
حكومة بارنييه اقترحت ميزانية 2025 بقيمة 60 مليار يورو من التخفيضات والضرائب الجديدة، شملت زيادات ضريبية على الأفراد ذوي الدخل المرتفع والشركات الكبرى، إلى جانب تخفيضات في الإنفاق الاجتماعي ، هذه السياسات أثارت غضب الشارع والمعارضة، التي اتهمت الحكومة بـ”سوء إدارة المالية العامة” و”العجز عن ضبط الإنفاق” ، في المقابل، بررت الحكومة الوضع بتداعيات التضخم، ارتفاع أسعار الطاقة، والحرب في أوكرانيا التي زادت أعباء الدعم العمومي.
استقالة لوكورنو تزامنت مع انخفاض مؤشر CAC-40 بنسبة 2% واليورو بنسبة 0.7%، مما يعكس قلق الأسواق من استمرار عدم الاستقرار. كما أثارت المؤسسات المالية الأوروبية مخاوف من تجاوز فرنسا معايير الانضباط المالي، مما قد يؤدي إلى عقوبات من الاتحاد الأوروبي.
ردود الفعل السياسية
- اليسار: دعا جان لوك ميلانشون، زعيم حزب فرنسا غير المخضعة، إلى “عزل دستوري” لماكرون، مطالبًا بتعيين رئيس وزراء يساري يعكس وزن الجبهة الشعبية في البرلمان.
- اليمين المتطرف: أكد جوردان بارديلا، رئيس التجمع الوطني، رفض دعم أي حكومة لا تكسر سياسات ماكرون السابقة، بينما طالبت مارين لي بين بانتخابات تشريعية جديدة.
- الوسط والمحافظون: وصف بعض السياسيين الوضع بـ”السيرك”، مع استياء من إعادة تعيين وزراء مثيرين للجدل وفشل ماكرون في توحيد القوى السياسية.
الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية
الشلل السياسي يفاقم التوترات الاجتماعية، حيث خرجت مظاهرات في باريس ومدن أخرى ضد سياسات التقشف وزيادة الضرائب. النقابات العمالية هددت بالإضرابات، خاصة في قطاعات النقل والتعليم، مما يهدد بمزيد من الاضطرابات. اقتصاديًا، يهدد التأخير في تمرير ميزانية 2026 بتعطيل الخدمات العامة وزيادة الضغط على الاقتصاد، مع تراجع النمو الاقتصادي إلى 0.9% في 2024 وتوقعات بتباطؤ إضافي في 2025.
تحديات الجمهورية الخامسة
تثير هذه الأزمة تساؤلات حول قدرة الجمهورية الخامسة على تجاوز الجمود السياسي في ظل برلمان منقسم وضغوط الشارع. الخيارات أمام ماكرون محدودة: تعيين رئيس وزراء جديد قد يواجه نفس المصير، حل البرلمان (محظور حتى يونيو 2025 بموجب الدستور)، أو استقالته الشخصية، وهو سيناريو مستبعد لكنه مطروح وسط تراجع شعبيته إلى 15%.

تواجه فرنسا أزمة غير مسبوقة تهدد استقرارها السياسي والاقتصادي.
استقالة لوكورنو ليست مجرد حدث عابر، بل علامة على أزمة بنيوية تعيد إلى الواجهة نقاشات حول صلاحية النظام الجمهوري الحالي. مع تصاعد التوترات الاجتماعية والضغوط الاقتصادية، يبقى السؤال: هل ستتمكن الجمهورية الخامسة من تجاوز هذا المأزق، أم أنها على شفا تحول جذري قد يعيد تشكيل المشهد السياسي الفرنسي؟







