بوابة الجزائر الإخبارية: ناقلة كبيرة كل شهر، وما يصل إلى 660 ألف طن من غاز البترول المسال سنويًا؛ بهذه الوتيرة تستعد الجزائر لنقل حضورها في السوق الهندية من شحنات متفرقة لا تتجاوز عشرات آلاف الأطنان إلى إمدادات منتظمة تضع سوناطراك أمام واحدة من أكبر فرص توسعها الآسيوي خلال السنوات الأخيرة. فالاتفاق الذي يجري استكمال ترتيباته مع «إنديان أويل»، أكبر شركة تكرير هندية، يقوم على شحن ما بين 45 ألفًا و55 ألف طن من البروبان والبيوتان شهريًا اعتبارًا من 2027، في سوق تضم قرابة 330 مليون اشتراك منزلي في غاز الطهي وتعتمد على الخارج لتغطية نحو ثلثي احتياجاتها.

وبالنسبة إلى الجزائر، لا تكمن أهمية العملية في إضافة زبون جديد إلى قائمة سوناطراك، وإنما في الانتقال إلى مستوى آخر من إدارة الصادرات الطاقوية: تثبيت موطئ قدم منتظم في آسيا إلى جانب الثقل التاريخي في أوروبا والمتوسط، ورفع القدرة على توجيه الشحنات بين أكثر من سوق وفق الأسعار والطلب والمخاطر الجيوسياسية. وهي مقاربة تنسجم مع التوجه الأوسع الذي تقوده الجزائر بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لتعزيز حضور المؤسسات الوطنية في الأسواق الخارجية وترسيخ اقتصاد أكثر اندماجًا في محيطه الإقليمي والدولي. وقد ربطت السلطات الجزائرية رسميًا خلال 2026 بين هذا التوجه وبين التعليمات الرئاسية الخاصة بتوسيع النشاط الخارجي للمؤسسات الوطنية.
واللافت أن الجزائر لا تدخل هذه السوق من نقطة الصفر. فحسب ما رصدته «تادامسا نيوز»، عادت الشحنات الجزائرية إلى الهند منذ جوان 2026، بينما تشير تقديرات حركة أوت إلى إمكانية وصول قرابة 110 آلاف طن من غاز البترول المسال الجزائري خلال شهر واحد، وهو حجم يفوق بأكثر من الضعف مجموع ما سجلته الهند من واردات البروبان والبيوتان الجزائريين خلال سنة 2024 كاملة.
وهنا يظهر حجم التحول الحقيقي. فالجزائر التي كانت ترسل إلى الهند عشرات آلاف الأطنان سنويًا تستعد، إذا استكملت الصفقة وفق الكميات المتداولة، لإرسال حجم مماثل تقريبًا كل شهر. وبذلك لا تعود المسألة مجرد استئناف للتجارة، وإنما إعادة تموضع لمنتج جزائري داخل واحدة من أكبر أسواق الطاقة الاستهلاكية في العالم.
م ن 46 ألف طن في سنة إلى 55 ألفًا في شحنة واحدة
تكشف السلسلة التاريخية للمبادلات مقدار القفزة المنتظرة. ففي 2020 بلغت واردات الهند من البروبان الجزائري نحو 7,647 طنًا، إضافة إلى 13,927 طنًا من البيوتان، أي ما مجموعه 21,574 طنًا بقيمة تقارب 8.716 ملايين دولار. ثم ارتفعت الكمية في 2022 إلى 54,108.5 أطنان من المنتجين بقيمة تتجاوز 35.3 مليون دولار، قبل أن تتراجع الحركة في 2023 إلى شحنة مسجلة من البيوتان بنحو 5,014 طنًا.
وفي 2024 عاد النشاط إلى الارتفاع، فاستوردت الهند 23,617.9 طنًا من البروبان الجزائري و22,983.4 طنًا من البيوتان، ليصل الإجمالي إلى 46,601.3 طن بقيمة 32.816 مليون دولار. غير أن المقارنة مع الاتفاق الجاري إعدادُه تكشف أن تلك الأرقام أصبحت صغيرة نسبيًا: ناقلة واحدة عند سقف 55 ألف طن يمكن أن تحمل وحدها كمية أكبر من إجمالي واردات الهند الجزائرية المسجلة خلال 2024.
وإذا وصلت شحنات أوت الجاري بالفعل إلى نحو 110 آلاف طن، فإن الهند تكون قد استقبلت في شهر واحد ما يعادل 2.36 مرة وارداتها الجزائرية المسجلة في 2024، وأكثر من ضعفي الكمية المسجلة في 2022. وهذا التسارع يسبق أصلًا بدء العقد السنوي المحتمل في 2027.

أما عند تحويل الترتيبات المتداولة إلى سنة كاملة، فتتضح القفزة بصورة أكبر. فاثنتا عشرة ناقلة بحمولة دنيا عند 45 ألف طن تعني 540 ألف طن سنويًا، بينما يرفع الحد الأعلى البالغ 55 ألف طن للشحنة إجمالي الكمية إلى 660 ألف طن، ويعطي المتوسط البالغ 50 ألف طن نحو 600 ألف طن في السنة.
وبذلك يمكن أن ترتفع الكمية التي تشتريها الهند من الجزائر إلى مستوى يعادل ما بين 11.6 و14.2 ضعفًا لما سجلته خلال 2024، وهي قفزة لا تحدث عادة من خلال عمليات السوق الفورية وحدها، بل تحتاج إلى انتظام لوجستي وقدرة إنتاجية ومصداقية كمورد قادر على احترام برنامج شهري.
وهذه النقطة تصب مباشرة في صالح سوناطراك، لأن العقد المنتظم يمنحها رؤية أوضح للمبيعات السنوية ويقلل اعتماد جزء من إنتاجها على اقتناص الشحنات الظرفية، فيما تحصل «إنديان أويل» في المقابل على مصدر إضافي خارج دائرة مورديها التقليديين.
الجزائر تفاوض بفائض تصديري لا بحاجة إلى سوق
وتزداد قوة الموقع الجزائري عند النظر إلى قاعدة الإنتاج نفسها. فالجزائر تنتج نحو 9 ملايين طن من غاز البترول المسال سنويًا، وتصدر قرابة 6 ملايين طن، ما يعني أنها تدخل السوق الهندية وهي تملك فائضًا تصديريًا قائمًا وقدرة على توزيع الكميات بين وجهات مختلفة.
وعند سقف 660 ألف طن، قد تستوعب الهند وحدها نحو 7.3% من الإنتاج الجزائري السنوي وما يقارب 11% من إجمالي صادرات غاز البترول المسال. وحتى عند الحد الأدنى للاتفاق، تبقى النسب في حدود 6% من الإنتاج ونحو 9% من الصادرات.
هذه الأرقام تمنح الصفقة وزنًا استراتيجيًا لأنها لا تضيف سوقًا هامشية إلى الخريطة الجزائرية، بل تستطيع أن تجعل الهند واحدة من الوجهات الرئيسية لهذا المنتج.
وتدخل الجزائر هذه المفاوضات أيضًا من قاعدة تجارية عالمية معتبرة. فقد بلغت صادراتها من البروبان في 2024 نحو 2.113 مليار دولار، فيما استورد الاتحاد الأوروبي وحده قرابة 1.937 مليون طن من البروبان الجزائري بقيمة تجاوزت 1.08 مليار دولار. وفي المقابل، لم تستورد الهند في العام نفسه سوى 23.6 ألف طن تقريبًا من البروبان الجزائري.
ومن ثم، فإن الاتجاه نحو نيودلهي لا يعني التخلي عن السوق الأوروبية التي بنت فيها الجزائر موقعًا قويًا، وإنما إضافة ذراع آسيوية إلى شبكة التصدير. وهذا يمنح سوناطراك مرونة أكبر عندما تتغير الأسعار أو هوامش التكرير أو تكاليف الشحن بين منطقة وأخرى.
وللغاز الجزائري سوابق آسيوية تؤكد إمكانية هذا المسار؛ فقد استوردت إندونيسيا خلال 2023 نحو 212,574 طنًا من البروبان الجزائري بقيمة تجاوزت 104 ملايين دولار. وبالتالي، فإن آسيا ليست سوقًا مجهولة بالنسبة إلى المنتج الجزائري، لكن الهند ترفع الرهان إلى مستوى مختلف بحكم حجمها واستمرارية استهلاكها.
وتكشف هذه القدرة على التنويع جانبًا من قوة السياسة الطاقوية الجزائرية في المرحلة الحالية. فسـوناطراك توسع بالتوازي حضورها الإفريقي والدولي، وهو توجه أكدته الشركة رسميًا في أوت ضمن استراتيجيتها للاستثمار والتوسع خارج الحدود. كما وقعت في جويلية عقدًا جديدًا لزيادة إمدادات الغاز الطبيعي إلى السوق الألمانية ابتداء من 2027، في مؤشر على أن توسيع الموقع الآسيوي لا يأتي على حساب تثبيت الأسواق الأوروبية، وإنما ضمن انتشار جغرافي أوسع للصادرات الجزائرية.

هرمز يعيد رسم الحسابات.. والجزائر تدخل في اللحظة المناسبة
وتأتي القفزة الجزائرية في توقيت أصبحت فيه الهند أكثر حساسية من أي وقت مضى تجاه تركز مصادر الإمداد. ففي 2025 بلغت مشترياتها من غاز البترول المسال القادم من الشرق الأوسط نحو 21.53 مليون طن، أي قرابة 90% من إجمالي الواردات، ما جعل سوقًا يزيد عدد مشتركيها على 300 مليون أسرة شديدة التعرض لأي اضطراب يصيب حركة الملاحة والطاقة في الخليج.
وتوضح أرقام الموردين حجم هذا التركيز. ففي 2024 اشترت الهند نحو 4.439 ملايين طن من البروبان من الإمارات، و2.601 مليون طن من قطر، و1.749 مليونًا من الكويت، و1.610 مليون طن من السعودية. وفي البيوتان بلغت مشترياتها من السعودية نحو 2.086 مليون طن ومن الكويت 1.846 مليون طن، بينما بقيت الكميات الجزائرية آنذاك في نطاق محدود جدًا.
ولهذا لا تتجه نيودلهي إلى الجزائر بهدف استبدال دول الخليج، وهو أمر لا توحي به الأحجام المقترحة أصلًا، وإنما لإدخال مصدر متوسطي كبير ومستقل جغرافيًا عن منطقة الخليج إلى مزيج الموردين.
وهذه النقطة تمنح الجزائر قيمة تتجاوز السعر. فسوناطراك تستطيع تحميل الشحنات من موانئ لا تعتمد على المرور عبر مضيق هرمز، وهو ما يوفر للمشتري الهندي خط إمداد جغرافيًا مختلفًا في لحظة أصبح فيها تنويع الطريق نفسه جزءًا من أمن الطاقة.
وفي الوقت نفسه، تظل المنافسة تجارية في النهاية. فالمسافة البحرية بين الجزائر والهند أطول من المسافة من عدد من موانئ الخليج، وبالتالي ينبغي للسعر عند ميناء الشحن أن يعوض جانبًا من فارق النقل والتأمين. وهنا تشير المعطيات المتداولة إلى أن الغاز الجزائري يُعرض بسعر تنافسي مقارنة بالمؤشر التعاقدي السعودي، وإن لم تُعلن نسبة الخصم الدقيقة.
وتنص الترتيبات المتداولة كذلك على صيغة FOB، أي أن سوناطراك تسلم الشحنة على متن الناقلة في ميناء التصدير، بينما يتولى المشتري الهندي عادة تكاليف النقل والتأمين بعد ذلك. وهذا يقلل تعرض الجانب الجزائري المباشر لتقلب تكلفة الرحلة البحرية، ويجعل السعر عند نقطة التحميل عنصر المنافسة الأساسي بالنسبة إلى سوناطراك.
وتظهر الأسعار المرجعية لأوت 2026 مستوى يناهز 540 دولارًا للطن من البروبان و570 دولارًا للطن من البيوتان. وإذا استخدمت هذه الأسعار لأغراض حسابية فقط، فإن قيمة 540 ألف طن قد تقترب من 291.6 مليون دولار عند السعر الأدنى، بينما قد تصل 660 ألف طن إلى نحو 376.2 مليون دولار عند السعر الأعلى، مع سيناريو وسطي يضع 600 ألف طن عند قرابة 333 مليون دولار.
غير أن هذه ليست قيمة العقد، لأن أسعار 2027 ومزيج البروبان والبيوتان والخصومات والشروط التجارية النهائية لم تعلن. لكنها تعطي مقياسًا تقريبيًا لحجم الصفقة: التعامل السنوي المحتمل قد يصبح أكبر بنحو 9 إلى 11 مرة من القيمة المسجلة في 2024.
330 مليون اشتراك.. الجزائر تدخل سوقًا لا يتوقف طلبها
أما الجانب الآخر من المعادلة فيوجد داخل الهند نفسها. فعدد الاشتراكات المنزلية النشطة في غاز البترول المسال بلغ نحو 329.995 مليون اشتراك في بداية أوت 2026، بينها حوالي 105.728 ملايين اشتراك مرتبطة ببرنامج حكومي لتوسيع وصول الأسر إلى غاز الطهي.
ويبلغ استهلاك البلاد نحو 33.15 مليون طن سنويًا في آخر سنة مرجعية متاحة، مع اعتمادها على الواردات لتغطية قرابة ثلثي الطلب. ولذلك تمثل الكمية الجزائرية المقترحة، بين 540 ألفًا و660 ألف طن، ما يقارب 1.6 إلى 2% من إجمالي الاستهلاك الهندي.
وقد تبدو النسبة صغيرة، لكنها ليست كذلك عند النظر إليها كمصدر جديد داخل مزيج توريد ضخم. فاستحواذ مورد واحد جديد نسبيًا على ما يصل إلى 2% من سوق تستهلك أكثر من 33 مليون طن يعني أن الجزائر تنتقل مباشرة إلى أحجام بمئات آلاف الأطنان، بدل قضاء سنوات في بناء حصة صغيرة بواسطة الشحنات المتقطعة.
كما أن الهند نفسها لا تراهن على الجزائر وحدها. فهي تتجه إلى شراء ما يصل إلى 25% من وارداتها من الولايات المتحدة خلال 2027، بالتزامن مع رفع إنتاج المصافي المحلية وتشجيع الغاز الموزع عبر الأنابيب، مع هدف معلن لإنتاج 63,810 أطنان يوميًا من غاز الطهي.
وهذا يجعل نجاح سوناطراك في دخول هذا المزيج أكثر دلالة. فالجزائر لا تستفيد من غياب المنافسة، بل تدخل سوقًا تملك خيارات خليجية وأمريكية ومحلية متعددة، ومع ذلك ترى أكبر شركة تكرير هندية قيمة في تثبيت إمداد جزائري شهري.

من المتوسط إلى آسيا.. رؤية تبون توسع مجال سوناطراك
عند وضع المسار كاملًا في جدول زمني واحد، يظهر التحول بوضوح: 21.5 ألف طن في 2020، 54.1 ألف طن في 2022، 46.6 ألف طن في 2024، ثم احتمال 110 آلاف طن في أوت 2026 وحده، وصولًا إلى 540–660 ألف طن خلال 2027 إذا استكملت الصفقة وفق الصيغة المتداولة.
لكن أهمية القصة بالنسبة إلى الجزائر لا تُختزل في تصاعد الأعمدة داخل جدول الصادرات. إنها تكمن في الطريقة التي تستثمر بها الدولة قدرتها الإنتاجية وموقعها الجغرافي لتحويل الاضطرابات التي تواجه سوق الطاقة العالمية إلى فرص إضافية للمنتج الوطني.
وفي ظل قيادة الرئيس عبد المجيد تبون، أصبحت مسألة ولوج المؤسسات الجزائرية إلى الأسواق الخارجية جزءًا معلنًا من توجه اقتصادي أوسع يهدف إلى بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعًا واندماجًا دوليًا. وقد أكدت الحكومة هذا التوجه صراحة عند تنفيذ توجيهات الرئيس المتعلقة بتعزيز الانتشار الخارجي للمؤسسات الوطنية وتصدير الخبرة الجزائرية.
وفي قطاع الطاقة تحديدًا، تظهر سوناطراك اليوم قدرة متزايدة على التحرك في أكثر من اتجاه في اللحظة نفسها: تثبيت عقود في أوروبا، توسيع حضورها في إفريقيا، وفتح ممرات بيع منتظمة في آسيا. وهذا يعكس تحول المجمع من شركة ترتكز قوتها الخارجية أساسًا على قربها من أوروبا إلى مؤسسة طاقوية تبحث عن أفضل توزيع ممكن لإنتاجها بين القارات.
وهنا تكمن القيمة الاستشرافية للسياسة التي تدفع بها الجزائر: عدم رهن الطاقة الجزائرية بسوق واحدة، وعدم انتظار الزبون عند الميناء، وإنما الذهاب إلى الأسواق التي يتوسع فيها الطلب وبناء عقود طويلة الأجل معها من موقع المورد القادر على الاختيار.
فالهند، بما يقارب 330 مليون اشتراك منزلي، ليست مجرد مشترٍ آخر. إنها سوق يمكن أن تمنح سوناطراك حضورًا آسيويًا مستدامًا، فيما تمنحها الجزائر في المقابل موردًا كبيرًا خارج التركيز الجغرافي الخليجي.
وإذا تحولت المفاوضات الحالية إلى عقد نافذ في 2027، فإن أهم رقم لن يكون 660 ألف طن وحده، بل المسافة التي قطعتها الجزائر داخل السوق الهندية: من 46.6 ألف طن في عام كامل إلى ناقلة قد تحمل أكثر من ذلك في رحلة واحدة.
عندها تكون سوناطراك قد حققت ما هو أبعد من بيع كمية إضافية من البروبان والبيوتان؛ ستكون قد ثبتت للغاز الجزائري مكانًا شهريًا في واحدة من أكبر أسواق الطاقة في العالم، ورسخت قدرة الجزائر، بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، على تحويل ثروتها الطاقوية من مصدر للإيرادات فقط إلى أداة حضور اقتصادي دولي تتوسع من المتوسط إلى إفريقيا وآسيا، بشروط تخدم المصلحة الوطنية وتزيد من وزن الجزائر في أسواق الطاقة العالمية.






















