مقال رأي بقلم إسماعيل مليلي :كاتب صحفي جزائري
بوابة الجزائر الإخبارية: انتهت مهلة ال 48 ساعة وغادر السفير الإماراتي الجزائر ربما إلى غير رجعة، لا يتمنى سفير أي دولة في العالم أن يمر بهذه التجربة في مساره الدبلوماسي، لكن هكذا هي السياسة، لم يحدث أي تصعيد من الطرفين، أو إجبار على المغادرة، لكنها مدة أردات الجزائر معها أن تبلغ السفير الإماراتي أنه غير مرحب به هو ونظام أبو ظبي من ورائه، كانت هذه الحركة بمثابة ورقة طرد في وجه الإمارات من الساحة الجزائرية، زامنها إعلاق للمجال الجوي الجزائري.

الآن، على الجزائر أن تعيد كل حساباتها مع الإمارات، ووضع بنود وشروط حاسمة في حال وجود أي وساطات خارجية لإعادة العلاقات، نتحدث هنا بالعقل والمنطق، وليس بالعاطفة:
أولا: نقاط قوة الإمارات
الإمارات لا تعتمد بشكل رئيس على التدخلات العسكرية الفردية في مواجهة الدول والأنظمة التي تقرر اللعب على أراضيها، بل عملت منذ مدة طويلة على تحصين حدودها بأدوات غير عسكرية يصعب اكتشافها أو تبريرها في الغالب، فقد ربطت تحالفات ذكية مع كبرى الدول لتغطية الفراغ الداخلي، وخلق شركاء يمكن الاعتماد عليهم وقت الحاجة، وعمليات تمويل أطراف دولية وشراء ذمهمهم (بلطجة / مرتزقة)، والدخول في صفقات مشبوهة، كما انها ساهمت في تكوين منصات إعلامية واستثمرت فيها للتأثير في الرأي العام بما يخدم مصالح الامارات وحلفائها، وتعمل في الخفاء على تغذية الذباب الالكتروني، واستخدامه قاعدة خلفية لنشر سمومها في المنطقة.
ثانيا نقاط ضعف الإمارات
هناك الكثير من نقاط الضعف في النظام الإماراتي، يكفي اجتماع عاملين أو ثلاثة لانهيار الدولة ككل، فالإمارات تعتمد بنسبة أكثر من 85% في اقتصادها وجيشها وقطاع خدماتها على المقيمين على أرضها، وبالتالي فإن أي زعزعة في الإمارات تجعل الجميع ينفض من حولهم، و قد حدث ذلك فعلا سنة 2008، عرفت حينها بأزمة الديون، سافر جميع المقيمين وبقي الإماراتيون يضمدون جروحهم بمفردهم، فإي زعزعة داخل الإمارات هي فعليا نزوح فوري للعمالة الأجنبية، متصدع تام للنظام.
اقتصاد الإمارات لمّاع لكنه هش كالصناعات الصينة، على الرغم من الثراء االفاحش فهي لا تملك تنوعا كبيرا في الثراء، بل تعتمد كليا في ميزانيتها على عائدات النفط والغاز، تسعى لتنويع سلة استثماراتها من خلال سوق العقارات في دبي بشكل خاص، والممرات المائية والموانئ والخلجان، و استثمارات خارجية ضخمة، وكل هذا التنوع الاقتصادي ما هو إلا كعجلة الكازينو قد ترسو على رقم الحظ السيء فينهار كل شيء في لحظة، “مضيق هرمز” و”باب المندب / خليج عدن” مثلا، كل استثماراتها في الأساس ورقة مزدوجة، فالأموال معرّضة للتجميد مع أي تتوتر في العلاقات، وحرب الموانئ على أشده الآن، والامارت تسعى لفتح المزيد من أبواب الفتنة على نفسها، وما أكثر الدول التي هي على قائمة التوتر مع النظام الإماراتي.
تقع الامارات في رقعة جغرافية محاصرة بشبح الخوف من ثلاث دول كبرى هي المملكة العربية السعودية، إيران، تركيا، ولن تستطيع الامارات الدخول في حرب مفتوحة مع أي من هذه الدول بمفردها نظرا لانعدام عمقها الاستراتيجي، فكل المصالح الحيوية على بعد مترين من مرمى الجيران، فأي تنفس لأنبوب غاز النفط في مدينة الجبيل السعودية مثلا، قد ينسف بجميع مباني الامارات، والأمر نفسه إذا قررت إيران أو تركيا توجيه أي ضربة للامارات، فالأخيرة غير مستعدة أبدا، وتعتمد في دفاعاتها على أطراف أخرى، قد تخذلها في أي حين.
إضافة إلى كل ما سبق، فالامارات الآن تتدخل في أكثر من ست ساحات دولية في آن واحد: ليبيا، السودان، اليمن، الصحراء الغربية، دول الساحل، الجيران، ومنذ مدة الجزائر على قائمة الامارات أيضا. يقول المنطق أن دولة في حجم الامارات لا تعتمد على جيشها الخاص، ولا عتادها الحربي المعاصر، ستخسر أي رهان عسكري، لكنها مازالت تخلق لنفسها الكثير من الأعداء، التحالف مع إسرائيل وجلبها إلى المنطقة أحد أبرز أخطائها الاستراتيجية، خالقة بذلك توترا داخيا وإقليميا هم في غنى عنه.
والآن، كيف للجزائر أن تستغل نقاط ضعف الإمارات، وفرض شروط تعامل جديدة تكون الجزائر فيها سيدا في قراراتها، والتعامل يكون مبنيا على أساس من الاحترام والسيادة وحسن النية.

خطوة إغلاق المجال الجوي في مسار الطائرات الاماراتية قرار سيادي صائب وذكي، فكلما طال أمد الخلاف كلما تكبد الاقتصاد الاماراتي خسائر هو في غنى عنها، فإن استغلت الجزائر علاقاتها الجيدة مع بقية الدول التي تعرضت لغدر الامارت، وحثها على إغلاق المجالات الجوية واحدا تلو الآخر، تسجد الامارات نفسها منبوذة في الأرض وفي السماء، مجبرة على تغيير مساراتها الجوية.
تقدر الاستثمارات الاماراتية في الجزائر بحوالي ستمائة وخمسون مليون دولار أمريكي كتدفقات مباشرة، وأكثر من عشرة مليارات دولار أمريكي، تشمل مشاريع، واتفاقات مبرمة أو طويلة الأمد، في الصناعات الميكانيكية، العقارات والموانئ، بينما الاستثمار الجزائري في الامارات، فإنه لا يتعدى عشرين مليون دولا أمريكي، وبالتالي فإن هذه الاموال هي ورقة ضغط في يد الجزائر، من الممكن استخدام الحجر عليها حتى تعود الامارات إلى رشدها.

على الجزائر أيضا التحرك في المحافل الدولية لتقديم الأدلة والشهادات، على تورط الامارات في كسر الأعراف الدولية والتدخل في الشأن الداخلي للجزائر، فالأمر ليس شخصيا، إنما هي سيادة الدول، لإجبارها على احترام مواثيق القوانين الدولية، والالتزام بمبدأ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشأن الداخلي الجزائري، موازاة مع ذلك، على الجزائر أيضا أن تفرض مراقبة كاملة على الحسابات الوهمية وتجميدها.
النقطة الأهم، والتي تحدثت عنها كثيرا في أكثر من مناسبة، وهي الاستثمار في طبقة المؤثرين، وبناء قوى ناعمة تدافع عن الانجازات الفعلية للجزائر، ومكانتها عربيا، إقليميا ودوليا، وهذا يكون بالاستثمار غير المشروط والنوعي في الجانب الاعلامي، والاستشارات المحلية والدولية، للأسف هكذا تبنى القوى الناعمة في الدول كلها، حتى العظمى منها، تاريخ صامد، إنجازات ضخمة وتحديات تتصدى لها الجزائر يوميا، لابد أن توضع تحت المجهر، وإخراجها ليس للداخل فحسب، بل للخارج أيضا وهو الأولى.

الخلاصة أن نقاط القوة في الجزائر أكبر من أن تصنف في بندين أو ثلاثة، فالأرضية فعلا خصبة للاستثمار والاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، لكن هناك نقطتي ضعف، على الجزائر أن تبادر لسدها من أجل قطع الطريق على الإمارات وغيرها، أعرف أن نسبة النمو الديمغرافي في الجزائر في استمرارا دائم، وأن نسبة الشباب منهم أيضا في ارتفاع مستمر، لكن هناك بعض الحلول التي تساهم الجزائر في إيجادها للحد من الهجرة غير الشرعية نحو أوربا، لكنها تحتاج إلى دعم واستشارة من أجل نجاحها.
النقطة الأولى: الاستثمار في الكفاءات الجزائرية للحد من ظاهرة هجرة العقول البشرية إلى الخارج.
النقطة الثانية: إجبار القطاع الخاص على تكوين الشباب وتوظيفهم، لمنحهم الفرصة للنهوض باقتصاد الوطن، وذلك سيساهم قطعا في دوران عجلة الاقتصاد والحد من الجرائم المجتمعية والالكترونية.



















