بوابة الجزائر الإخبارية: 1.62 مليون طن من فوسفات ثنائي الأمونيوم استوردتها بنغلاديش خلال السنة المالية 2025–2026، بزيادة تقارب 16% خلال عام واحد، في مؤشر على اتساع الطلب في سوق آسيوية تعتمد على الخارج لتأمين أكثر من 85% من احتياجاتها من الأسمدة. وفي خضم هذا الطلب المتزايد، برزت الجزائر ضمن الخيارات التي تدرسها دكا لتنويع مصادر التوريد، بعدما انتقل ملف الأسمدة إلى المحادثات الحكومية بين البلدين، بالتزامن مع توسع الاستثمارات الجزائرية في الصناعات الآزوتية والفوسفاتية.
وأعادت صحيفة «ذا نيو نيشن» البنغلاديشية، يوم 31 أكتوبر 2026، تسليط الضوء على الإمكانات الاقتصادية للشراكة مع الجزائر، في مقال تناول فرص تطوير العلاقات الثنائية، واضعًا استيراد الأسمدة الجزائرية ضمن المجالات التي يمكن أن تمنح التعاون التجاري بعدًا جديدًا، إلى جانب الطاقة والاستثمار والصناعة.
وتبرز أهمية هذا الطرح في توقيته، إذ يأتي بعد سلسلة من الاتصالات الدبلوماسية والحكومية خلال سبتمبر وأكتوبر، أظهرت اهتمامًا بنغلاديشيًا متزايدًا بالحصول على إمدادات مستقرة من الأسمدة، في ظل الضغوط التي تواجهها البلاد لتأمين مدخلات الإنتاج الزراعي والحد من تعرضها لتقلبات الأسواق الدولية.
ولم يكن الاهتمام بالأسمدة الجزائرية وليد المقال الصحفي الأخير، بل سبقه تحرك رسمي في 20 سبتمبر، عندما بحث وزير الدولة للشؤون الخارجية البنغلاديشي، هميون كبير، مع السفير الجزائري لدى دكا، عبد الوهاب سعيداني، إمكانات تطوير التعاون في الأسمدة والطاقة والتجارة والاستثمار، مع التأكيد على ارتباط تأمين المنتجات الزراعية بالأمن الغذائي الوطني.
وبعد نحو أسبوعين، اكتسبت المشاورات طابعًا أكثر تحديدًا، إذ أعلن وزير الداخلية البنغلاديشي، صلاح الدين أحمد، في 5 أكتوبر، العمل على مبادرة حكومية تستهدف استيراد الأسمدة والغاز الطبيعي المسال من الجزائر ضمن ترتيبات طويلة الأجل.
ويعكس الجمع بين هذين المنتجين في المحادثات توجهًا نحو توسيع العلاقة الاقتصادية مع الجزائر، بالاستفادة من قدراتها في قطاع المحروقات والصناعات المرتبطة به، خصوصًا أن الغاز الطبيعي يمثل مادة أولية أساسية في إنتاج الأمونيا التي تدخل بدورها في تصنيع اليوريا.
وتواصلت الاتصالات في 20 أكتوبر بتوقيع مذكرة تفاهم للتعاون في المحروقات، شملت بحث إمدادات الغاز الطبيعي المسال وغاز البترول المميع والمنتجات البترولية، إلى جانب التعاون التقني.
وبعد يومين، عاد ملف الأسمدة إلى طاولة المباحثات خلال لقاء جمع وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية، أحمد عطاف، بنظيره البنغلاديشي هميون كبير، حيث تناول الجانبان فرص توسيع التعاون في الطاقة والفلاحة والأسمدة والنسيج.
ونقلت صحيفة «ذا بيزنس ستاندرد» عن الخارجية البنغلاديشية أن عطاف أبدى استعداد الجزائر للتعاون في تلبية احتياجات دكا من الأسمدة، في خطوة تعزز المسار السياسي للمفاوضات، دون أن تعني التوصل إلى اتفاق تجاري نهائي.
وتكشف هذه التطورات عن انتقال العلاقات الثنائية من بحث فرص التعاون بصورة عامة إلى تحديد قطاعات ومنتجات ذات أولوية، مع بقاء التحدي الأساسي مرتبطًا بتحويل التفاهمات الحكومية إلى عقود توريد تحدد الكميات والأسعار والآجال والجهات المتعاقدة.
وتفسر المؤشرات الزراعية البنغلاديشية جانبًا مهمًا من هذا الاهتمام، إذ تواجه دكا طلبًا كبيرًا على الأسمدة لتأمين إنتاجها الغذائي، في وقت تعتمد فيه بدرجة مرتفعة على الاستيراد لتغطية احتياجات الفلاحين.
ووفق بيانات وزارة الزراعة البنغلاديشية التي أوردتها «ذا بيزنس ستاندرد» في 31 أكتوبر، بلغت واردات فوسفات ثنائي الأمونيوم نحو 1.272 مليون طن خلال السنة المالية 2023–2024، قبل ارتفاعها إلى 1.399 مليون طن في 2024–2025، ثم 1.620 مليون طن في 2025–2026.
وبذلك، ارتفعت مشتريات هذا الصنف بنحو 348 ألف طن خلال عامين، ما يعادل نموًا يقارب 27.4%، وهو تطور يكشف اتساع الحاجة إلى الأسمدة الفوسفاتية في واحدة من الأسواق الزراعية الكبيرة في آسيا.
غير أن هذه الكميات تخص فوسفات ثنائي الأمونيوم فقط، ولا تشمل كامل واردات بنغلاديش من اليوريا والأسمدة البوتاسية وبقية المنتجات، كما أنها لا تمثل طلبًا مؤكدًا على الأسمدة الجزائرية تحديدًا.
وتزداد الأهمية الاقتصادية لهذه السوق بالنظر إلى تدخل المؤسسات المالية الدولية لدعم واردات الأسمدة. ففي 26 جوان 2026، وافق البنك الدولي على تمويل بقيمة 300 مليون دولار لمشروع طارئ للأمن الغذائي في بنغلاديش، يستهدف استيراد 600 ألف طن من الأسمدة الأساسية، من بينها 300 ألف طن من اليوريا.
ويستهدف المشروع دعم نحو 1.4 مليون هكتار من زراعة الأرز لدى صغار الفلاحين، مع التركيز على موسمي «أمان» و«بورو»، اللذين يمثلان معًا قرابة 90% من إنتاج الأرز في البلاد.
ويكشف هذا التمويل أن تأمين الأسمدة أصبح أولوية اقتصادية مرتبطة باستقرار المحاصيل والأسعار والقدرة الشرائية، وليس مجرد عملية شراء تجارية دورية.
وقد وقعت بنغلاديش اتفاق التمويل مع المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي في 5 أكتوبر، بما يعزز الموارد المخصصة لشراء المنتجات الزراعية الأساسية.
ولا توجد، وفق المعلومات المعلنة، مؤشرات على تخصيص هذه الأموال لاستيراد أسمدة جزائرية، غير أن المشروع يعكس حجم الطلب الذي تسعى السلطات البنغلاديشية إلى تأمينه، ويفتح المجال أمام الموردين القادرين على المنافسة وفق شروط الشراء المعتمدة.
وفي المقابل، تمتلك الجزائر قاعدة صناعية يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لتطوير صادراتها نحو السوق البنغلاديشية، خصوصًا في مجال الأسمدة الآزوتية.
ويبرز مركب «سورفرت» بأرزيو ضمن هذه القدرات، بطاقة إنتاجية سنوية تبلغ 1.26 مليون طن من اليوريا المحببة و1.6 مليون طن من الأمونيا، وفق دليل المؤسسات التابع للغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة.
وتمنح هذه المنشأة الجزائر خبرة صناعية وإنتاجية في منتجات تدخل مباشرة ضمن احتياجات الأسواق الزراعية المستوردة، مع ضرورة مراعاة أن جزءًا من إنتاج الأمونيا يستخدم في تصنيع اليوريا، وأن الطاقة الاسمية للمركب لا تعادل تلقائيًا الكميات المتاحة للتصدير.
لكن التحول الأهم بالنسبة إلى آفاق الصادرات الجزائرية يرتبط بمشروع الفوسفات المدمج، الذي يستهدف توسيع قدرات البلاد على تحويل مواردها المنجمية إلى أسمدة ومنتجات كيميائية ذات قيمة مضافة.
فالمركب المقرر إنجازه بوادي الكبريت في ولاية سوق أهراس يستهدف، ضمن مرحلته الأولى، إنتاج 2.4 مليون طن سنويًا من الأسمدة الفوسفاتية و570 ألف طن من اليوريا، إلى جانب مواد وسيطة تشمل حمض الكبريتيك وحمض الفوسفوريك والأمونيا.
وكان حجر الأساس للمشروع قد وُضع في 24 سبتمبر 2026، في إطار الاستثمارات الموجهة إلى تطوير سلسلة صناعية متكاملة للفوسفات، تجمع بين تثمين الموارد الطبيعية وتوسيع الإنتاج التحويلي.
وتكتسب هذه القدرات المستقبلية أهمية خاصة عند مقارنتها باتجاهات الطلب في بنغلاديش، حيث تسجل واردات الأسمدة الفوسفاتية نموًا متواصلًا، ما يتيح للجزائر دراسة احتياجات هذه السوق قبل دخول منشآتها الجديدة مرحلة الإنتاج التجاري.
غير أن الحديث عن فرص مستقبلية لا يعني وجود فائض تصديري جاهز من المشروع، إذ تظل الطاقات المستهدفة مرتبطة باستكمال الإنجاز والتجهيز والتشغيل الفعلي.
ومن منظور اقتصادي، يمكن أن يتيح التوسع في صادرات الأسمدة للجزائر تحقيق عائدات إضافية من تحويل الغاز والفوسفات محليًا، بدل الاقتصار على تسويق الموارد الأولية، بما يعزز مساهمة الصناعات التحويلية في تنويع الصادرات.
كما يمنح دخول أسواق آسيوية جديدة المؤسسات الجزائرية فرصة لتوسيع قاعدة الزبائن وتقليص الاعتماد على عدد محدود من الوجهات التجارية، مع الاستفادة من الطلب الزراعي الكبير في الاقتصادات المستوردة.
غير أن المنافسة في هذه السوق تبدو قوية، خصوصًا أن بنغلاديش لا تكتفي بتوسيع وارداتها، بل تبحث أيضًا عن مشاريع إنتاج مشتركة خارج أراضيها لضمان استقرار الإمدادات.
وفي هذا الإطار، كشفت «ذا بيزنس ستاندرد» عن مقترح أولي لإنشاء مصنع لإنتاج فوسفات ثنائي الأمونيوم في السعودية، بطاقة سنوية تبلغ مليون طن، مع دراسة ترتيبات لشراء الإنتاج على مدى يتراوح بين 20 و25 سنة.
ويشير هذا التوجه إلى أن دكا تمنح أولوية متزايدة للعقود المستقرة والشراكات طويلة الأجل، ما يجعل انتظام التوريد والقدرة على الالتزام بالكميات والأسعار عاملين أساسيين في المنافسة على السوق.
وبالنسبة إلى المنتجين الجزائريين، فإن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب دراسة الكلفة النهائية للأسمدة عند وصولها إلى الموانئ البنغلاديشية، بما يشمل الإنتاج والشحن والتأمين والتمويل، فضلًا عن مطابقة المواصفات الفنية وتوقيت التسليم مع المواسم الزراعية.
فامتلاك قدرات إنتاجية كبيرة لا يكفي وحده لضمان دخول سوق جديدة، ما لم تقترن بعروض تجارية قادرة على منافسة الموردين القائمين، خصوصًا في المنتجات التي تتأثر أسعارها بتقلبات الطاقة والشحن العالمي.
وتوفر المحادثات الحكومية بين الجزائر وبنغلاديش إطارًا أوليًا لتطوير هذا المسار، بالتزامن مع فرص تعاون أخرى في الغاز والنسيج والصناعات الصيدلانية والتكوين التقني.
ويعكس هذا التنوع إمكانية بناء علاقة اقتصادية أكثر توازنًا، تجمع بين الصادرات الجزائرية من الطاقة والأسمدة، والمنتجات والخبرات الصناعية التي تستطيع بنغلاديش تقديمها في قطاعات أخرى.
وتتمثل الفرصة الاقتصادية الأساسية للجزائر في استثمار الطلب البنغلاديشي المتنامي لتوسيع صادرات منتجاتها التحويلية، مع الاستعداد لتوظيف القدرات المستقبلية لمشروع الفوسفات المدمج في فتح أسواق خارجية جديدة.
أما المرحلة الحاسمة، فستكون الانتقال من التصريحات والمباحثات إلى التفاوض التجاري المباشر بين المنتجين الجزائريين والهيئات البنغلاديشية المختصة، بما يحدد أنواع الأسمدة المطلوبة والكميات والأسعار وشروط التسليم.
وبذلك، فإن السوق البنغلاديشية تمثل فرصة واعدة أمام الصناعة الجزائرية، لكنها تظل فرصة قيد التطوير، تتوقف نتائجها على تحويل التقارب السياسي إلى عقود فعلية وصادرات منتظمة، بما يدعم حضور الجزائر في الأسواق الآسيوية ويعزز القيمة الاقتصادية لمواردها من الغاز والفوسفات.













