الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لبوابة الجزائر .
مقال بقلم : الباحثة سارة مرزوقي
بوابة الجزائر الإخبارية : ما الذي يمنع الجالية الجزائرية في فرنسا من الانتقال من موقع الحضور الاجتماعي والثقافي إلى موقع التأثير السياسي والمؤسساتي؟ و لماذا تظل واحدة من أكثر الجاليات حضورا في النقاش العام الفرنسي دون أن يتحول هذا الحضور إلى وزن انتخابي منظم يضمن وصول مزيد من الكفاءات ذات الأصول الجزائرية إلى الجمعية الوطنية الفرنسية؟السؤال لم يعد مجرد نقاش نظري، خصوصا ونحن نتابع التحولات التي تشهدها فرنسا، حيث تتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، وتتداخل قضايا القدرة الشرائية والهجرة والهوية والأمن مع الاستحقاق الرئاسي المرتقب سنة 2027.و في خضم هذا المناخ، تعود الجزائر إلى واجهة التجاذبات السياسية الفرنسية، ليس فقط باعتبارها دولة تربطها بفرنسا علاقات تاريخية و مصالح متشابكة، بل أيضا باعتبارها ورقة حاضرة في الخطاب الانتخابي لبعض القوى السياسية، التي جعلت من اتفاقيات الهجرة والعلاقات مع الجزائر جزءا من معركتها لاستقطاب الناخبين.و هنا تبرز المفارقة: إذا كانت قضايا الجزائريين و أبنائهم حاضرة بهذا القدر في الحملات السياسية الفرنسية، فلماذا لا يكون لهم حضور أكبر في المؤسسات التي تصنع هذه السياسات؟
من التجربة الأمريكية إلى الدرس الفرنسيتقدم الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت يوم 3 نوفمبر الجاري مثالا يستحق التأمل. فقد أظهرت أهمية التعبئة الانتخابية والتنظيم السياسي في إعادة تشكيل موازين القوة داخل المؤسسات، كما كشفت عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الفئات الاجتماعية والأقليات في تحديد نتائج الانتخابات عندما تتحول من مجرد كتلة ناخبة إلى قوة سياسية منظمة.
إن ما حدث في الولايات المتحدة لا يعني أن الجاليات تنتخب على أساس أصولها وحدها، ولا أن الانتماء العرقي يكفي لصناعة النفوذ، بل يكشف أهمية التنظيم وتعبئة الناخبين واختيار المرشحين القادرين على تحويل المطالب الاجتماعية إلى برامج انتخابية قابلة للفوز.وهذا تحديدا ما يمكن أن تستفيد منه الجالية الجزائرية في فرنسا.
فالمطلوب ليس إنشاء حزب على أساس الأصل الجزائري، ولا استنساخ التجربة الأمريكية بصورة آلية، وإنما بناء تصور مدني وانتخابي يجعل من المواطنين الفرنسيين ذوي الأصول الجزائرية قوة مشاركة في الحياة السياسية، قادرة على دعم مرشحين أكفاء والوصول بهم إلى الجمعية الوطنية، سواء عبر الأحزاب القائمة أو من خلال مبادرات انتخابية مستقلة. كيف يمكن تنفيذ هذا الرهان؟إن تحويل هذه الفكرة إلى مشروع سياسي لا يبدأ بإعلان نوايا، بل بخطة عمل واقعية ومتدرجة، تقوم على أربعة مستويات أساسية.
أولا: الانتقال من الجالية المتفرقة إلى شبكة انتخابية منظمة.
تضم فرنسا أجيالا متعددة من ذوي الأصول الجزائرية، من رجال أعمال وأكاديميين ومحامين وأطباء وإعلاميين وطلبة وإطارات في مختلف القطاعات. لكن هذا التنوع الاجتماعي لا يتحول تلقائيا إلى قوة سياسية.المطلوب إطلاق مبادرة مدنية تجمع الكفاءات والجمعيات والشخصيات المؤثرة، بعيدا عن الحسابات الضيقة، وتعمل على بناء جسور التواصل بين مختلف الأجيال، وتحديد الدوائر الانتخابية التي يمكن أن تشهد حضورا انتخابيا فاعلا.ولا يتعلق الأمر بإحصاء الناس على أساس أصولهم، وإنما بفهم الخريطة الانتخابية للمواطنين المؤهلين للمشاركة، وقياس قدرتهم على التعبئة والتأثير.
ثانيا: صناعة النخب والمرشحين.
لا يمكن الحديث عن تمثيل سياسي دون إعداد شخصيات قادرة على خوض الانتخابات ومناقشة القوانين والدفاع عن برامج واضحة.ينبغي الاستثمار في الشباب من ذوي الأصول الجزائرية الذين يمتلكون تكوينا أكاديميا وخبرة مهنية وحضورا مجتمعيا، وتشجيعهم على الانخراط في الأحزاب الفرنسية أو الترشح ضمن قوائمها، وعدم انتظار أن تمنحهم المؤسسات السياسية مواقع متقدمة بصورة تلقائية.فالتمثيل لا يصنعه الانتساب العائلي أو الرمزي، وإنما الكفاءة والقدرة على الإقناع وبناء التحالفات.
ثالثا: بناء برنامج انتخابي يتجاوز سؤال الهوية.من الخطأ اختزال المشروع في الدفاع عن أبناء الجالية الجزائرية أو في الرد على الخطابات المعادية للمهاجرين فقط.يجب أن يتناول قضايا التعليم والتشغيل والسكن ومكافحة التمييز وتحسين الخدمات العامة، إلى جانب قضايا الذاكرة والعلاقات الفرنسية الجزائرية وحقوق المواطنين في ممارسة مواطنتهم كاملة.فالمرشح الذي يريد الوصول إلى الجمعية الوطنية عليه أن يقنع جميع ناخبي دائرته، وليس فقط أبناء الجالية التي ينتمي إليها.
رابعا: تحويل التنظيم إلى تحالفات انتخابية.
وهذه ربما أهم نقطة في التجربة الفرنسية.فالانتخابات التشريعية الفرنسية تقوم على الاقتراع الفردي بالأغلبية على دورتين، وليس على القوائم الوطنية. وهذا يفرض اختيار الدوائر بعناية، ودراسة المنافسين، وبناء تحالفات محلية، والتفاوض مع الأحزاب الديمقراطية التي يمكن أن تمنح المرشحين فرصة حقيقية للفوز.كما أن القانون الفرنسي يسمح للمواطن الفرنسي المستوفي للشروط بالترشح، دون تخصيص مقاعد على أساس الأصل أو الانتماء العرقي.
من الدفاع عن الجزائر إلى قوة اقتراح داخل فرنساهناك مسألة تستحق التأكيد:
إن تشجيع الجزائريين الفرنسيين على المشاركة السياسية لا يعني مطالبتهم بالعمل لمصلحة دولة أخرى، ولا تحويلهم إلى أداة في أي صراع دبلوماسي.إنهم مواطنون فرنسيون لهم حقوقهم وواجباتهم، ولهم في الوقت نفسه روابط تاريخية وثقافية وإنسانية ببلد أصولهم.
ولا يوجد تعارض حتمي بين احترام هذه الروابط والاندماج والمشاركة في مؤسسات الدولة التي يحملون جنسيتها.
بل إن وجود شخصيات سياسية من أصول جزائرية داخل الجمعية الوطنية قد يساهم في بناء خطاب أكثر عقلانية بشأن الجزائر، ويمنع اختزال العلاقات بين البلدين في ملفات الهجرة والأمن والأزمات الدبلوماسية.ولعل ما كشفته المشاركة الانتخابية في أوساط الجالية خلال الاستحقاقات الأخيرة عن أهمية تفعيل المشاركة السياسية يستحق هو الآخر التأمل.
فالحضور الديمغرافي وحده لا يصنع القوة، ما لم يتحول إلى مشاركة وتنظيم وممارسة سياسية واعية. الرهان القادمإن فرنسا مقبلة على مرحلة سياسية حساسة، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية لسنة 2027، وفي ظل تصاعد الخطابات التي تجعل من الهجرة والهوية والعلاقة مع الجزائر عناوين مركزية في المنافسة السياسية.وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن تكتفي الجالية الجزائرية بالتعبير عن استيائها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو انتظار مواقف الأحزاب الفرنسية، أو الاحتجاج كلما تعرضت صورتها للتشويه.لقد أثبتت التجربة الأمريكية أن صناديق الاقتراع يمكن أن تعيد توزيع القوة داخل المؤسسات، وأن التنظيم الانتخابي قادر على تحويل مطالب المجتمع إلى حضور سياسي ملموس.
لكن الدرس الأهم ليس تقليد حزب أمريكي أو استنساخ تجربته، بل فهم أن الصوت الانتخابي المنظم أكثر تأثيرا من الحضور العددي غير المنظم.
ولماذا لا تبدأ المبادرة من اليوم، بتأسيس إطار تنسيقي مدني يضم كفاءات جزائرية فرنسية، ويضع خريطة للدوائر الانتخابية، ويعمل على إعداد مرشحين للانتخابات المحلية والتشريعية المقبلة، مع بناء تحالفات سياسية على أساس البرامج والمصالح المشتركة؟إن المسألة لا تتعلق بالبحث عن نواب يحملون اسما جزائريا فحسب، وإنما بإنتاج جيل من الفاعلين السياسيين الذين يستطيعون التأثير في التشريع والرقابة وصناعة السياسات العامة.
فالجالية التي تظل موضوعا للخطاب السياسي يمكن أن تصبح طرفا في صناعته، والجالية التي يثار اسمها في الحملات الانتخابية يمكنها أن تنتقل إلى مقاعد البرلمان.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: كم يبلغ عدد الجزائريين في فرنسا؟ بل: كم من هذا العدد يمكن أن يتحول إلى قوة انتخابية منظمة، قادرة على إيصال ممثليها إلى مواقع صناعة القرار؟ففي السياسة، لا يكفي أن تكون حاضرا في المجتمع حتى تكون حاضرا في السلطة.
سارة محمد مرزوڨي – كاتبة و باحثة جزائرية







