بوابة الجزائر الإخبارية :حين يطأ “خالد حفتر” أرض المغرب كرئيس أركان لكيان عسكري موازي في شرق ليبيا، فإننا لسنا أمام مجرد زيارة بروتوكولية عابرة، بل أمام مشهد عبثي يختزل أزمات المنطقة برمتها. فأن يتحرك نجل الجنرال المتقاعد لنسج تحالفات أو جس نبض في عاصمة مغاربية، بالتزامن مع كواليس صفقات التسلح وحضور شركات الموت الإسرائيلية في مراكش، فهذا يكشف بوضوح عن طبيعة المتاجرة بالقضايا الإقليمية واستباحة الأمن القومي العربي لحسابات سلطوية ضيقة.
كيف يستقيم الحديث عن “سيادة وطنية” أو تمثيل عسكري رسمي بينما يتزامن استقبال شخصية بلا صفة دستورية كخالد حفتر في الرباط مع كواليس صفقات شركات السلاح الإسرائيلية في مراكش، لتتحول أراضٍ مغاربية إلى منصة لتبييض الوراثة العسكرية وصفقات الارتزاق العابرة للحدود؟
وفي هذا السياق اعتبر الخبير الاستراتيجي أكرم خريف، في تصريح خاص لـ”بوابة الجزائر”، أن زيارة خالد حفتر إلى المغرب بصفته “رئيس أركان” جيش موازٍ تتجاوز الطابع البروتوكولي، وتمثل خطوة نحو إضفاء الشرعية على سلطة عسكرية خارج المؤسسات الموحدة للدولة الليبية، في تناقض مع الدور الذي طالما قدمت الرباط نفسها من خلاله باعتبارها مدافعًا عن الشرعية ووسيطًا في الأزمة الليبية.

وأوضح خريف أن المغرب دأب على التذكير بدوره في رعاية اتفاق الصخيرات الموقع في ديسمبر 2015، والذي أرسى المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، ومدد ولاية مجلس النواب، وأسس المجلس الأعلى للدولة، غير أن معسكر حفتر، بحسب تقديره، عمل لسنوات على تقويض الاتفاق، وصولًا إلى الهجوم العسكري على العاصمة طرابلس.
وأكد الخبير الاستراتيجي أن استقبال خالد حفتر بمراسم عسكرية رسمية يمثل تنكرًا للإنجاز الدبلوماسي المغربي السابق، معتبرًا أن الحياد الذي تتبناه الرباط تحول إلى حياد انتقائي يخدم محور أبوظبي والقاهرة وبنغازي، بل يندرج، وفق توصيفه، ضمن ما يسميه “ائتلاف إبستين” الذي يرى أن إسرائيل تتحكم في خيوطه.
وأشار خريف إلى أن خالد حفتر لم يصل إلى منصبه عبر انتخابات أو سند دستوري، وإنما بحكم انتمائه العائلي، معتبرًا أن التعامل معه باعتباره نظيرًا لقائد جيش وطني يمنح عملية توريث السلطة العسكرية اعترافًا إقليميًا، ويخلق سابقة دبلوماسية في ظل غياب دستور ليبي دائم.
ولفت الخبير الاستراتيجي إلى دلالات توقيت الزيارة، بالتزامن مع استضافة مراكش جناحًا وطنيًا إسرائيليًا، قال إنه الأول من نوعه منذ اتفاقيات أبراهام، بمشاركة مديرية التعاون الدفاعي الدولي الإسرائيلية “سيبات” وثماني شركات عرضت ذخائر جوالة ومنظومات روبوتية وتقنيات للمسيّرات والملاحة الذاتية والتوجيه بالليزر.
وأضاف خريف أن حضور شركات “إلبيت” و”الصناعات الجوية الإسرائيلية”و”رافائيل” يكتسب دلالات خطيرة، بالنظر إلى ارتباط منتجاتها العسكرية بالحروب في غزة ولبنان، مشيرًا إلى أن تسويق منظومات باعتبارها “مجربة في المعارك” يثير تساؤلات بشأن انعكاسات انتشارها على الأمن الإقليمي.
واعتبر الخبير الاستراتيجي أن المشهد يكشف تقاطع مصالح بين وريث عسكري يسعى إلى تعزيز الاعتراف بسلطته وقدراته التسليحية، وصناعة عسكرية إسرائيلية تبحث عن أسواق جديدة، فيما تتحول الأراضي المغربية، وفق تحليله، إلى مساحة لترتيب التحالفات وصفقات السلاح.
وحذر خريف من أن اتصالات معسكر حفتر بإسرائيل، إلى جانب تحرك رؤوس أموال إماراتية في محيط صفقات تسليحه، قد تفضي إلى تداعيات خطيرة، خاصة أن الذخائر الجوالة والمسيّرات من نوع FPV تمثل أدوات رئيسية في النزاعات منخفضة الحدة بالساحل وليبيا.
وشدد الخبير الاستراتيجي على أن تحويل المغرب العربي إلى سوق لهذه التكنولوجيا يعني، بحسب تعبيره، نقل منطق الحرب الإسرائيلية الدائمة إلى الحدود الجنوبية للجزائر وتونس، متسائلًا عن جدوى الحديث عن السيادة والاستقرار الليبي بالتزامن مع استقبال ممثل جيش موازٍ والانفتاح على الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
وخلص أكرم خريف، في تصريحه لـ”بوابة الجزائر”، إلى أن الأمن الإقليمي أصبح، في تقديره، متغيرًا خاضعًا للمساومات السياسية والتحالفات الظرفية والمصالح التجارية وصفقات التسلح، بدل أن يشكل أولوية استراتيجية لحماية سيادة الدول واستقرار المنطقة وأمن شعوبها.




















