مقال بقلم الباحثة سارة محمد مرزوڨي
بوابة الجزائر الإخبارية :ليست المشكلة أن الجزائر تفتقر إلى رجال صنعوا تاريخها، بل إن بعض هؤلاء الرجال لم ينالوا من القراءة و البحث ما يتناسب مع حجم أدوارهم، وظلت أسماؤهم حاضرة في المناسبات، بينما بقيت أفكارهم وتجاربهم و مؤلفاتهم بعيدة عن فضول أجيال تحتاج إلى أن تعرف كيف تشكل وعيها الوطني، وكيف خاض أبناؤها معارك الاستقلال قبل أن تصل الثورة إلى ساحات المواجهة.
من بين هؤلاء يبرز أحمد توفيق المدني، المؤرخ والمفكر والمناضل الذي لم يفصل بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن ذاكرته، وأدرك أن الاستعمار لا يستهدف الأرض وحدها، بل يسعى أيضا إلى التحكم في الرواية التي يروي بها الشعب تاريخه، وفي الصورة التي يحملها عن نفسه.
ولد المدني في تونس سنة 1899 لأسرة جزائرية، ونشأ في بيئة ثقافية أتاحت له التعرف إلى اللغة العربية وعلومها، قبل أن يعود إلى الجزائر وينخرط في الحركة الوطنية والإصلاحية. ومع مرور السنوات، تعددت ميادين نشاطه بين الصحافة والتأليف والعمل السياسي، فكان من الشخصيات التي ربطت بين استعادة الوعي التاريخي ومقاومة المشروع الاستعماري.
لم يكن التاريخ بالنسبة إليه سجلا للأحداث والسنوات، ولا مجموعة من الوقائع التي تستعاد في الاحتفالات الرسمية، بل كان مجالا للدفاع عن الشخصية الجزائرية، وإثبات أن هذا المجتمع يمتلك جذورا حضارية وثقافية عميقة، وأن وجوده الوطني لا يبدأ من اللحظة التي قرر فيها الاستعمار أن يكتب تاريخه.
في مؤلفاته، ومن بينها «الجزائر» و«حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا»، سعى المدني إلى تقديم صورة عن تاريخ البلاد وعلاقاتها الحضارية والسياسية، وإلى استعادة محطات من ماضيها ظلت بحاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق. كما ارتبط اسمه بالحركة الإصلاحية وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث تداخل العمل الثقافي مع الدفاع عن اللغة العربية والتعليم والهوية الوطنية.
ولم يبق الرجل حبيس المكتبة أو صفحات الكتب. فقد امتد نشاطه إلى العمل السياسي والدبلوماسي خلال الثورة التحريرية، مساهما في التعريف بالقضية الجزائرية خارج الوطن. وبعد الاستقلال، تولى مسؤوليات رسمية، وظل اسمه مرتبطا بجيل رأى في المعرفة جزءا من معركة التحرر، لا نشاطا منفصلا عن قضايا المجتمع.
لكن لماذا نحتاج اليوم إلى قراءة أحمد توفيق المدني من جديد؟
لأن قراءة الرواد ليست استعادة للماضي من أجل الماضي، وليست محاولة لإضفاء القداسة على شخصيات تاريخية لمجرد أنها عاشت زمن الاستعمار أو شاركت في الحركة الوطنية. إنها، قبل كل شيء، محاولة لفهم الطرق التي تشكل بها الوعي الجزائري، ومعرفة الأفكار التي ساهمت في حماية الهوية، والتمييز بين ما أنجزه هؤلاء الرجال فعلا وما أضافته الذاكرة الشعبية إلى صورهم بمرور الزمن.
إن الوفاء للشخصيات الوطنية لا يتحقق بتحويلها إلى أسماء معلقة على الجدران، ولا باختزال سيرها في فقرات محفوظة يرددها التلاميذ ثم ينسونها بعد الامتحان. الوفاء الحقيقي يبدأ بقراءة مؤلفاتها، وفحص وثائقها، ووضع أفكارها في سياقها التاريخي، ومناقشة ما طرحته من قضايا على ضوء التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري.
فالرواد، مهما كانت مكانتهم، لا ينبغي أن يكونوا خارج دائرة البحث والنقاش. إن قيمتهم الحقيقية تتجلى حين تصبح أعمالهم مادة للمعرفة، وحين نستطيع أن نفهم اختياراتهم وظروفهم، ونستخلص من تجاربهم ما يساعدنا على التفكير في حاضرنا.
وهنا تبرز مسؤولية المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية. فكم من مؤلف وطني لا يعرفه كثير من الشباب إلا من خلال عنوان عابر؟ وكم من سيرة تستحق عملا توثيقيا أو وثائقيا أو بحثا جامعيا جادا، لكنها لا تحضر في المجال العام إلا عند إحياء ذكرى صاحبها؟ إن المسافة بين الاحتفاء بالتراث ومعرفته فعلا لا تزال تستحق أن نتوقف عندها.
وقد أدركت ذلك، على نحو شخصي، من خلال تجربة مبكرة مع كتب أحمد توفيق المدني. فقد أهداني والدي رحمه الله مجلدات من مذكراته، وكنت أقرؤها خلال العطلة المدرسية على امتداد نحو ثلاثة أشهر. كانت تلك الصفحات نافذتي إلى تاريخ الجزائر، ومن خلالها اتسعت معرفتي برجالها وأحداثها، ونمت علاقتي باللغة والتعبير.
لم أكن يومها أتعامل مع تلك المجلدات باعتبارها وثائق تاريخية فحسب، بل كنت أكتشف وطنا أكبر من حدود ما تعلمته في المدرسة. واليوم، حين أستعيد تلك التجربة، أفهم أن بعض الكتب لا تمنحنا المعرفة وحدها، بل تترك فينا أثرا يمتد إلى اختياراتنا واهتماماتنا وطريقة فهمنا للعالم.
ولعل هذه إحدى الإجابات عن سؤالنا: لماذا نحتاج إلى قراءة روادنا من جديد؟ لأن الكتاب قد يصل إلى طفل أو شاب فيغير علاقته بتاريخه، وقد تتحول قراءة شخصية وطنية إلى بداية مسار في البحث والكتابة، وقد تنتقل المعرفة من جيل إلى آخر من خلال هدية بسيطة يقدمها أب لابنته، دون أن يتوقع حجم أثرها بعد سنوات.
إن أحمد توفيق المدني ليس مجرد اسم في سجل الحركة الوطنية، بل مدخل إلى مرحلة كاملة من تاريخ الجزائر، حيث التقت الثقافة بالإصلاح والسياسة بالدبلوماسية، وتكاملت جهود رجال رأوا أن تحرير الوطن يحتاج إلى تحرير الوعي أيضا.
ولا تعني إعادة قراءة المدني الاكتفاء بما كتبه أو التسليم بكل ما ورد في مؤلفاته، بل تعني العودة إلى أعماله ومقارنتها بالمصادر والوثائق، ووضعها في حوار مع ما أنجزه المؤرخون اللاحقون. فالتاريخ الجاد لا يخشى الأسئلة، والذاكرة الوطنية لا تضعف بالنقد العلمي، بل تزداد رسوخا حين تقوم على المعرفة والتوثيق.
لقد رحل أحمد توفيق المدني سنة 1983، لكن السؤال الذي تتركه سيرته لا يزال مفتوحا: ماذا نفعل اليوم بالتراث الذي تركه لنا روادنا؟ هل نكتفي باستدعاء أسمائهم في المناسبات، أم نعيد مؤلفاتهم إلى المكتبات والجامعات، ونمنحها فرصة الوصول إلى قارئ جديد؟
إن الأمم لا تحافظ على ذاكرتها بكثرة الاحتفالات وحدها، بل بقدرتها على تحويل التاريخ إلى معرفة متداولة، والكتاب إلى جسر بين الأجيال، والشخصيات الوطنية إلى موضوعات للبحث والفهم.
لهذا نحتاج إلى قراءة أحمد توفيق المدني من جديد، لا لنقيم في الماضي، بل لنفهم الطريق الذي أوصلنا إلى الحاضر. فالوطن الذي يعرف رجاله معرفة حقيقية لا يكتفي بالفخر بهم، وإنما يواصل قراءة ما تركوه، ويختبر أفكارهم، ويحفظ للأجيال القادمة حقها في معرفة تاريخها من مصادره، لا من شذرات متناثرة عنه.
وربما تبدأ الحكاية، أحيانا، من مجلدات يضعها أب بين يدي ابنته، فتفتح صفحاتها بابا لا يغلقه الزمن. عندها لا يعود الكتاب مجرد أثر من الماضي، بل يصبح ذاكرة حية، تنتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، لتؤكد أن ما نكتبه اليوم قد يكون، ذات يوم، بداية حكاية أخرى.
مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر





























