مقال رأي بقلم الكاتب والإعلامي الجزائري إسماعيل مليلي
بوابة الجزائر الإخبارية : اجتمعت كبرى العواصم في روسيا، بانتظار ما ستسفر عنه القمة الثامنة لمنتدى الدول المصدرة للغاز، التي استضافتها موسكو في السابع والعشرين من أكتوبر الجاري، في ظل ظروف استثنائية لم يسبق لها مثيل في تاريخ صناعة الطاقة العالمية، تمتلك الدول المجتمعة ما نسبته سبعين بالمائة من احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم، في الوقت الذي ما يزال فيه مضيق هرمز مغلقا أمام حركة الملاحة، وهو الشريان الحيوي الذي تعبره خُمس صادرات الغاز المسال العالمية؛ ما أدى إلى اضطراب غير مسبوق في الأسواق العالمية، وارتفاع حاد في الأسعار، وتنافس شرس على مصادر الإمداد البديلة.
لم تكن القمة مجرد اجتماع دوري لمنتدى تأسس قبل خمس وعشرين سنة، بل كانت اختبارا حقيقيا لقدرة الدول المصدرة على التعامل مع أزمة بنيوية كبرى، أعادت رسم خريطة التجارة العالمية للطاقة، وفرضت معادلات جديدة، وكشفت في الوقت ذاته عن نقاط القوة، والضعف لدى كل دولة عضو، وفي قلب هذا المشهد، برز اسم الجزائر كواحدة من أبرز الرابحين من هذا التحول، ليس بمحض الصدفة، بل بفضل موقعها الجغرافي الفريد، وتنويع مساراتها، مما أتاح لها أن تكون عضوا بارزا في قلب المعادلة الاستراتيجية الجديدة.
كان شعار القمة “الغاز: ركيزة للتنمية المستدامة وأمن الطاقة العالمي”، بحضور رؤساء الدول والحكومات الأعضاء، إضافة إلى وفود رفيعة المستوى من الدول المراقبة، والمنظمات الإقليمية والدولية، وفي كلمته الافتتاحية، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على أن منتدى الدول المصدرة للغاز، ليس كارتلا يهدف إلى التحكم في الأسعار، بل هو منصة تعاون، تجمع الدول المنتجة والمصدرة، لضمان استقرار الأسواق، وضمان أمن الإمدادات، وتطوير صناعة الغاز العالمية لما فيه مصلحة جميع الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.
وفي إعلان موسكو الذي صدر في ختام أعمال القمة، ركز البيان على مجموعة من المبادئ العامة، أبرزها: التأكيد على أهمية ضمان أسعار عادلة ومعقولة للغاز الطبيعي، تتناسب مع تكاليف الاستثمار، والدعوة إلى تنويع مسارات وتقنيات تجارة الغاز، عالميا لتعزيز أمن الإمدادات، والتحذير من أن القيود الأحادية الجانب، والقيود السياسية المفروضة على التجارة الدولية للغاز، تشكل تهديدا مباشرا لأمن الطاقة العالمي، مع التأكيد على أن الغاز الطبيعي يظل وقودا أساسيا لا غنى عنه، في مسار تحول الطاقة العالمي، ورغم أهمية هذه المبادئ، فإن قراءة واقعية لمخرجات القمة تكشف عن فجوة واضحة بين الطموح والقدرة على التنفيذ الفعلي، فالإعلان الصادر عن موسكو، وفّر منصة موحدة للتعبير عن المخاوف المشتركة، لكنه لم يقدم آليات عملية ملزمة للتعامل مع أزمة هرمز تحديدا، والسبب ليس نقصا في الإرادة، بقدر ما هو انعكاس لتباين المصالح العميقة بين الدول الأعضاء أنفسهم، فبينما ترى إيران أن إغلاق المضيق هو رد مشروع على التهديدات التي يتعرض لها أمنها القومي، فإن قطر والإمارات تمر أكثر من نصف صادراتهما عبر هرمز، تتحملان خسائر يومية تقدر بمئات الملايين من الدولارات، ولا تملكان بدائل فورية كافية لتعويض هذا النقص، وبحسب تحليل معهد الطاقة العالمي، خرجت القمة بموقف موحد في الشأن العام، لكن كل دولة ستتعامل مع أزمة هرمز وفق حساباتها الخاصة، ومصالحها الحيوية المباشرة.
للإشارة فإن مضيق هرمز يستوعب ما يقارب 20% من إجمالي صادرات الغاز المسال العالمية، أي ما يعادل 110 مليار متر مكعب سنويا، وتستأثر قطر وحدها بأكثر من ثلث هذه التدفقات، ومنذ تعليق حركة الملاحة في المضيق في أوائل فبراير 2026، انخفضت حركة الناقلات بنسبة تزيد عن 90%، وتحولت موانئ الخليج من أكثر المناطق نشاطا في العالم، إلى مناطق شبه متوقفة، ولم تقتصر التداعيات على الدول المصدرة فحسب؛ بل امتدت لتعيد ترتيب أولويات الدول المستهلكة أيضا، فأوروبا التي كانت تعتمد بنسبة كبيرة على واردات الغاز من كل من روسيا والخليج، وجدت نفسها أمام تحدٍ مزدوج؛ أولا العقوبات المفروضة على خطوط الأنابيب الروسية، وثانيا انقطاع الإمدادات القادمة عبر هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية، بنسبة وصلت إلى 65% في غضون أسابيع، وسارعت العواصم الأوروبية إلى إعادة فتح مفاوضاتها مع موردين بدلاء، من الولايات المتحدة إلى أستراليا، مرورا بغرب إفريقيا والجزائر، وفي هذا السياق، يقول تقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية في باريس: إن أزمة مضيق هرمز قد أدت إلى تسريع تحول هيكلي كان قيد الدراسة بالفعل لدى الدول المستهلكة، والمتمثل في تقليل الاعتماد على ممرات ملاحية واحدة وموردين محددين، وسيكون هذا التحول دائما، حتى بعد استعادة حركة الملاحة في المضيق لمعدلاتها الطبيعية، وهنا برزت الجزائر كواحدة من الدول القليلة التي لم تتأثر صادراتها مباشرة بإغلاق هرمز، بل على العكس تماما، فتحت أمامها أبوابا لم تكن متاحة قبل الأزمة، فصادرات الغاز الجزائرية لا تعبر أي مضيق مائي مغلق؛ تنقلها خطوط أنابيب مباشرة إلى إسبانيا وإيطاليا عبر البحر المتوسط، أو عبر موانئها على الساحل، لتصديرها كغاز مسال إلى مختلف الوجهات، وهذه الميزة الجيوسياسية والجغرافية الفريدة، جعلت من الجزائر هي الشريك الأكثر استقرارا ،والأقرب جغرافيا لأوروبا.
تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الطاقة والمناجم الجزائرية، إلى أن صادرات الغاز المسال الجزائرية ارتفعت بنسبة 14% خلال شهر مارس 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وتلقت شركة سوناطراك عروضا لشراء كميات إضافية من الغاز من كل من إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وألمانيا، بعضها عقود فورية وبأسعار تفضيلية، وبعضها على شكل عقود طويلة الأجل، تمتد من 10 إلى 15 عاما، وارتفعت العائدات المالية للجزائر من الغاز تجديدا، بنسبة تزيد عن 30% في الأشهر الستة الأولى من الأزمة، مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق، بفضل زيادة الكميات المصدرة، وارتفاع الأسعار في آن واحد.وربما يكون أهم ما خرجت به مشاركة الجزائر في قمة موسكو هو الإعلان الرسمي عن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يربط نيجيريا بالجزائر، مرورا بالنيجر، من مرحلة الدراسات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، حيث انطلقت الأشغال في الجزء الجزائري بولاية أدرار في الرابع من يونيو 2026، وستبلغ قدرة الأنبوب عند اكتماله 30 مليار متر مكعب سنويا، مما سيحول الجزائر من مجرد دولة مصدرة للغاز، إلى محور عبور إقليمي للطاقة يربط افريقيا بأوروبا والعالم، ويرى محللون أن هذا المشروع هو الاستثمار الأذكى على المدى الطويل، لأنه يمنح الجزائر نفوذا استراتيجيا، يتجاوز مجرد تصدير إنتاجها الوطني.لقد أصبحت الجزائر اليوم في موقع يعزز مكانتها الاستراتيجية، بما تستطيع توفيره للعالم من احتياجات في وقت الأزمات، وقد سمح لها هذا الموقف بتعديل بنود عقودها التقليدية، فقد أصبحت الأسعار مرتبطة بمعايير سوقية أكثر مرونة، مع ضمان حدود دنيا للأسعار، تغطي تكاليف الاستثمارات المستقبلية، كما أن الأزمة قد فتحت الباب أمام محادثات مع دول لم تكن تعتمد سابقا على الغاز الجزائري، مثل المملكة المتحدة وبولندا والبرتغال، إلا أن هذه الفرص الاستثنائية لا تخلو من تحديات حقيقية قد تقف أمام تحويلها إلى مكاسب دائمة، فالطاقة الإنتاجية الحالية للجزائر لا تسمح بزيادة الصادرات بنسب كبيرة ومستمرة، دون استثمارات عاجلة في استكشاف حقول جديدة، وتطوير الحقول الحالية، والاستثمار في صناعة الغاز يتطلب وقتا يتراوح بين 4 إلى 7 سنوات، قبل دخول أي حقل جديد مرحلة الإنتاج التجاري، كما أن الاستهلاك المحلي المتزايد على الغاز بنسبة تتراوح بين 4% و5% سنويا، مدفوعا بنمو السكان، وتوسيع شبكات الكهرباء، والتحول نحو الغاز الطبيعي في قطاع النقل والصناعة، ما يعني أن كل زيادة في الإنتاج تقابلها زيادة في الاستهلاك المحلي، ما لم تُصاحب هذه الزيادة مشاريع ترشيد استهلاك طموحة، إضافة إلى ذلك تأتي تكاليف إنشاء مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء المقدرة بأكثر من 13 مليار دولار، على مسافة 4128 كيلومتر، عبر مناطق تعاني من هشاشة أمنية في منطقة الساحل، ورغم توقيع اتفاقيات أمنية بين الجزائر والنيجر لضمان حماية مسار الأنبوب، فإن المخاطر الأمنية تظل قائمة، وتتطلب تعاونا دوليا أوسع، لضمان سلامة هذا الشريان الحيوي، أما العنصر الأهم فإن مضيق هرمز لن يبقى مغلقا إلى الأبد، وعندما تعود حركة الملاحة إلى طبيعتها، ستعود أسعار الغاز إلى مستوياتها السابقة تدريجيا، وستستأنف قطر والإمارات صادراتهما بكامل طاقتهما، وهنا يكمن التحدي الأكبر؛ هل تستطيع الجزائر في غضون سنوات قليلة، أن تحول قاعدة عملائها المؤقتين إلى شركاء دائمين، عبر عقود طويلة الأمد، وبنية تحتية قادرة على تلبية الطلب المتزايد.
كانت قمة موسكو مرآة عكست عمق التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم، فمن جهة، أثبتت الأزمة أن الاعتماد على ممرات استراتيجية محددة، يحمل مخاطر وجودية لسلاسل الإمداد العالمية، ومن جهة أخرى، أتاحت للدول ذات المواقع البديلة، فرصة تاريخية لإعادة تعريف مكانتها على الخارطة الجيوسياسية للطاقة، والجزائر تقف اليوم أمام فرصة قد لا تتكرر بسهولة، لقد أثبتت أنها البديل الأكثر أمانا لأوروبا، وأن مشروعها للأنبوب العابر للصحراء ليس مجرد خط أنابيب، بل هو مشروع جيوسياسي بامتياز، يربط إفريقيا بأوروبا، ويجعل من الجزائر بوابة عبور لا يمكن الاستغناء عنها، لكن هذه المكانة الجديدة تحتاج إلى ما يجعلها دائمة ومستمرة، كاستثمار العوائد الإضافية في تطوير القدرات الإنتاجية، وتسريع وتيرة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، وتحديث الإطار القانوني والتنظيمي، لجعل الجزائر وجهة جاذبة للاستثمارات الدولية في قطاع الطاقة، والجزائر تملك الكثير من المقومات التي تجعلها في الريادة، على رأسها، الموارد البشرية، والبنية التحتية، وسرعة البديهة لدى صانع القرار.الفرصة إذا متاحة بقوة الآن، ولكن الباب لن يبقى مفتوحا إلى الأبد، فالدول المتضررة من مضيق هرمز، ستعود بقوة للتعافي، وتعويض خسائرها، وسيكون العقدان القادمان هما الفاصل، بين أن تصبح الجزائر واحدة من أهم محاور الطاقة في العالم، أو أن تظل مجرد مورد تقليدي، استفاد من ظرف استثنائي.









