بوابة الجزائر الإخبارية: 247 متراً مكعباً فقط من الموارد المائية العذبة الداخلية المتجددة للفرد سنوياً؛ رقم يختصر جانباً كبيراً من التحدي الذي سيحدد شكل الزراعة الجزائرية خلال السنوات المقبلة. ففي بلد يتوسع في استصلاح الأراضي ويرفع رهاناته على الحبوب والمحاصيل الاستراتيجية والزراعة الصحراوية، لم يعد السؤال الاقتصادي الأهم يتعلق بعدد الهكتارات الجديدة وحده، وإنما بكمية الغذاء والقيمة المضافة التي يمكن إنتاجها من كل متر مكعب من الماء ومن كل هكتار من التربة، وهي بالضبط المعادلة التي يضعها تقرير جديد لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في قلب التحول نحو الزراعة الخضراء.

وتظهر أحدث بيانات البنك الدولي المستندة إلى قاعدة «أكواستات» التابعة للفاو أن نصيب الفرد في الجزائر من الموارد المائية الداخلية المتجددة بلغ 247 متراً مكعباً في 2022، وهي أحدث سنة متاحة في السلسلة المنشورة.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية أكبر بعدما وضعت منظمة الأغذية والزراعة سبع أولويات مترابطة للانتقال من السياسات الخضراء المكتوبة إلى التنفيذ الفعلي، في تقريرها التجميعي الجديد Green Agriculture: A Stocktaking، الذي أطلقته خلال الحوار الإقليمي الذي احتضنته بودابست يومي 14 و15 سبتمبر 2026 وجمع مسؤولين وخبراء من أوروبا وآسيا الوسطى والشرق الأدنى وشمال إفريقيا.
غير أن القراءة الجزائرية لهذا التقرير لا ينبغي أن تبدأ من البعد البيئي وحده. المسألة في جوهرها اقتصادية؛ لأن ندرة المياه وتراجع خصوبة التربة وارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة وتزايد المخاطر المناخية كلها عوامل تدخل مباشرة في تكلفة إنتاج القمح والبطاطا والخضر والأعلاف والمحاصيل الصناعية، وبالتالي في فاتورة الغذاء وفي قدرة الاستثمار الزراعي على الاستمرار.
ومن هنا، فإن التحول نحو الزراعة الخضراء بالنسبة إلى الجزائر لا يعني تقليص الإنتاج أو الحد من برامج الاستصلاح، بل يمكن أن يعني العكس تماماً: إنتاجاً أكبر بموارد أقل، ورفع مردودية الاستثمار الزراعي، وإطالة عمر الأراضي والمياه المستخدمة، والانتقال تدريجياً من التوسع الأفقي وحده إلى التوسع القائم على التكنولوجيا والإنتاجية.
وتؤكد «الفاو» أن التحدي الذي تواجهه الدول اليوم لم يعد نقص الطموح أو غياب الخطط، وإنما الفجوة بين الالتزامات والتنفيذ. ولهذا يخلص التقرير، بعد تجميع نتائج خمسة تقييمات إقليمية شملت إفريقيا، وآسيا والمحيط الهادئ، وأوروبا وآسيا الوسطى، وأمريكا اللاتينية والكاريبي، والشرق الأدنى وشمال إفريقيا، إلى أن السياسات الزراعية لا يمكن أن تستمر في العمل داخل قطاعات منفصلة. فالزراعة والماء والبيئة والمناخ والتمويل والأسواق والتنمية الريفية أصبحت أجزاء من معادلة واحدة.
وهذه الخلاصة تلتقي مباشرة مع طبيعة التحول الجاري في القطاع الزراعي الجزائري.
فالجزائر لا تواجه مشكلة نقص الأراضي القابلة للتطوير فقط، بل معادلة أكثر تعقيداً تتعلق بمكان وجود الماء، وكلفة نقله وضخه، ونوعية التربة، والمسافة بين مناطق الإنتاج ومراكز الاستهلاك، ووجود التخزين والتبريد والصناعة التحويلية، ثم قدرة المحاصيل المزروعة على تحقيق قيمة اقتصادية تتناسب مع كمية الموارد المستعملة.
وبذلك، قد يصبح المتر المكعب من الماء مؤشراً اقتصادياً لا يقل أهمية عن الهكتار.
فالهكتار الذي ينتج محصولاً كبيراً لكنه يستهلك كميات ضخمة من المياه الجوفية قد يبدو ناجحاً في حساب الموسم الزراعي، لكنه يصبح أقل جدوى عندما تُحتسب كلفة استنزاف المخزون المائي والطاقة المستخدمة في الضخ وتدهور التربة على مدى سنوات. وفي المقابل، يمكن لتقنيات الري الدقيقة واختيار الأصناف الملائمة والمراقبة الرقمية لرطوبة التربة أن ترفع القيمة المنتجة من الحجم نفسه من المياه.
وهذا تحديداً ما يفسر تركيز «الفاو» على الشرق الأدنى وشمال إفريقيا بوصفهما من أكثر المناطق تعرضاً لندرة المياه. ويعتبر التقرير أن الإنتاجية المائية والإصلاح المالي والتنظيمي وحماية التربة يجب أن تكون في مركز التحول الزراعي في المنطقة، في حين شدد المدير العام المساعد للفاو والممثل الإقليمي للشرق الأدنى وشمال إفريقيا عبد الحكيم الواعر على أن الإدارة المستدامة للمياه وصحة التربة والتنوع البيولوجي ومرونة المجتمعات الريفية تمثل عناصر أساسية في هذا المسار.
وتمنح هذه المقاربة الجزائر فرصة لإعادة تقييم نجاح البرامج الزراعية بمعايير أوسع.
فالتوسع الكبير في الزراعة الصحراوية، الذي أصبح أحد محاور سياسة الأمن الغذائي، يمكن أن ينتقل تدريجياً من منطق «مساحة مستصلحة وإنتاج محقق» إلى نموذج أكثر دقة يحتسب المردود لكل هكتار، والمردود لكل متر مكعب، وكلفة الطاقة، ونسبة الملوحة، وعمر الطبقات الجوفية، والقيمة المضافة التي تبقى داخل الاقتصاد الوطني.
وهذا لا ينتقص من أهمية التوسع الصحراوي؛ بل على العكس، يمكن أن يمنحه قاعدة أكثر صلابة واستمرارية. فالجزائر تملك مساحات واسعة وإشعاعاً شمسياً مرتفعاً وتجربة متراكمة في استصلاح مناطق جديدة، وإذا جرى الجمع بين هذه المزايا والري الذكي والطاقة الشمسية واختيار المحاصيل الأكثر ملاءمة للبيئات الجافة، فإن الصحراء يمكن أن تتحول من مجرد احتياطي للأراضي إلى مختبر واسع للزراعة عالية الكفاءة في المناخات القاحلة.
كما يبرز مسار آخر بدأت الجزائر بالفعل في تطويره: إعادة إدخال المياه المستعملة المعالجة إلى الدورة الاقتصادية.
ففي 15 أوت 2026، وُضعت ببلدية رأس الماء في ولاية سيدي بلعباس اللبنة الأولى لمحيط سقي فلاحي على مساحة 100 هكتار يعتمد بالكامل على المياه الخارجة من محطة معالجة المياه المستعملة في البلدية. وأكد وزير الري لوناس بوزقزة خلال إطلاق المشروع أهمية تنويع مصادر المياه وتثمين الموارد غير التقليدية وتوسيع استخدام المياه المعالجة في النشاط الزراعي.
وقد يبدو مشروع بمساحة 100 هكتار محدوداً عند مقارنته بالبرامج الكبرى للاستصلاح، لكن قيمته الاقتصادية تكمن في النموذج الذي يختبره.
فكل متر مكعب من المياه المعالجة يُعاد توجيهه إلى الزراعة يمثل مورداً إضافياً لا يُسحب من سد ولا من طبقة جوفية. وكل توسع مدروس في هذا النوع من المشاريع يمكن أن يحرر جزءاً من المياه التقليدية لاستخدامات أخرى، ويوفر للقطاع الزراعي مورداً أكثر انتظاماً، خصوصاً حول المدن والمناطق التي تمتلك محطات معالجة.
وهذا هو الاقتصاد الدائري بأحد أكثر تطبيقاته وضوحاً: المورد لا ينتهي بعد استخدامه الأول، بل يدخل دورة إنتاج ثانية.
لكن الانتقال من عشرات أو مئات الهكتارات إلى نموذج واسع يتطلب أكثر من محطة معالجة. فهو يحتاج إلى شبكات نقل منفصلة، ومراقبة مستمرة لنوعية المياه، وتحاليل للتربة، وتصنيف المحاصيل التي يمكن ريها، واستثمارات في التخزين والضخ، إضافة إلى إطار اقتصادي يجعل استخدام المياه المعالجة جذاباً للمستثمر والفلاح مقارنة بالمصادر التقليدية.
وتضع «الفاو» الاقتصاد الدائري وكفاءة الموارد ضمن أولوياتها السبع، إلى جانب مواءمة السياسات والتخطيط والتمويل، وتقوية المؤسسات والحوكمة، وتحسين البيانات والأنظمة الرقمية والمتابعة، وتوسيع التكنولوجيا والابتكار بصورة شاملة، وإدماج العدالة والمشاركة، وتعزيز التنسيق الإقليمي والدولي.
وعند إسقاط هذه الأولويات على الجزائر، يظهر أن التحول المطلوب يتجاوز وزارة واحدة أو برنامجاً قطاعياً واحداً.
فقرار إنشاء محيط زراعي جديد يرتبط بالماء، والماء يرتبط بالطاقة المستخدمة في الضخ، والطاقة تؤثر في تكلفة الإنتاج، بينما تحدد الطرق وغرف التبريد والأسواق والصناعة التحويلية مقدار ما يصل من ذلك الإنتاج إلى المستهلك ومقدار القيمة الاقتصادية التي تضيع بين الحقل والسوق.
ولهذا تحذر «الفاو» من بقاء الاهتمام مركزاً على الإنتاج والموارد الطبيعية مقابل تقدم أبطأ في سلاسل التوريد الخضراء والاستهلاك المستدام وتقليل الفاقد والنفايات الغذائية. وتقول المنظمة إن المكاسب التي تتحقق داخل المزرعة لا يمكن الحفاظ عليها إذا بقيت الحلقة اللاحقة للإنتاج ضعيفة.
وهي نقطة بالغة الأهمية بالنسبة إلى الجزائر.
فطن من المحاصيل يُفقد خلال التخزين أو النقل ليس مجرد طن من الغذاء الضائع؛ إنه أيضاً مياه ضائعة وطاقة وأسمدة وعمل وتمويل ومساحة زراعية استُهلكت دون تحقيق قيمتها النهائية.
ومن ثم، يمكن أن يصبح الاستثمار في غرف التبريد والمخازن والمنصات اللوجستية والصناعة الغذائية جزءاً من سياسة الحفاظ على المياه نفسها، لأن تخفيض الفاقد يعني إنتاج الكمية الصافية نفسها بموارد أقل.
وهنا يتحول مفهوم الزراعة الخضراء من ملف بيئي إلى سياسة لرفع الكفاءة الاقتصادية للقطاع الزراعي بالكامل.
كما أن التحول الرقمي قد يكون واحداً من أكبر مصادر الزيادة المقبلة في الإنتاجية الزراعية الجزائرية. فالأقمار الصناعية وأجهزة قياس رطوبة التربة ومحطات الطقس المحلية والطائرات المسيرة وأنظمة الري المتصلة رقمياً تسمح بتحديد موعد السقي وكميته بدقة أكبر، ومراقبة تطور المحاصيل، والكشف المبكر عن الأمراض والإجهاد المائي.
وفي المناطق الصحراوية الواسعة، تصبح هذه التقنيات أكثر أهمية، لأن الإدارة التقليدية للمساحات الكبيرة تكلف وقتاً ويداً عاملة ومياهاً أكثر، بينما يسمح الاستشعار عن بعد بمراقبة آلاف الهكتارات بصورة متواصلة.
لكن القيمة الحقيقية للرقمنة لا تأتي من امتلاك الأجهزة وحدها، وإنما من البيانات التي تنتجها وربطها بقرارات الاستثمار والسياسة الزراعية.
فعندما تعرف السلطات كمية المياه المستهلكة في كل محيط، ونوعية التربة، والمحاصيل المزروعة، والمردودية، ومستوى الملوحة وتطور الطبقات الجوفية، يصبح من الممكن توجيه الاستصلاح إلى المناطق والمحاصيل الأكثر جدوى، بدلاً من بناء القرارات على المساحة والإنتاج الإجمالي فقط.
وهنا تظهر واحدة من أهم الرسائل التي يحملها التقرير للجزائر: الانتقال من سياسة تعتمد أساساً على المدخلات إلى سياسة تعتمد أكثر على المعرفة.
وتنسجم هذه الفكرة مع المسار الذي تطرحه «الفاو» ضمن إصلاحاتها لعام 2026، والقائم على الانتقال من معالجة الأزمات إلى بناء القدرة على الصمود، ومن نظم غذائية كثيفة المدخلات إلى نظم أكثر اعتماداً على المعرفة، ومن السياسات المنعزلة إلى التنسيق، ومن الالتزامات العالمية إلى التنفيذ المحلي.
أما الحلقة التي يمكن أن تحدد سرعة التحول فهي التمويل.
فالزراعة الخضراء أكثر كفاءة على المدى الطويل، لكنها تحتاج في بدايتها إلى استثمارات: شبكات ري حديثة، مجسات، معدات رقمية، طاقة شمسية، معالجة مياه، تحسين التربة، غرف تبريد ومنشآت تحويل.
ومن هنا يمكن للقطاع المالي الجزائري أن يصبح شريكاً مباشراً في التحول إذا تطورت منتجات مصرفية تمنح شروطاً أفضل للمشروع الذي يخفض استهلاك المياه أو يستخدم الطاقة المتجددة أو يعيد تدوير المخلفات أو يعتمد تقنيات زراعية دقيقة.
وعندها يمكن أن ينتقل التمويل الزراعي من السؤال التقليدي: كم هكتاراً سيستصلح المشروع؟ إلى أسئلة أكثر تطوراً: كم ينتج؟ كم يستهلك من الماء؟ ما نسبة الفاقد؟ وما قدرته على الاستمرار عشرين أو ثلاثين عاماً؟
كما يمكن لآليات التأمين الزراعي المرتبطة بالمناخ أن تخفف جزءاً من المخاطر الجديدة التي تواجه المنتجين، خصوصاً مع زيادة تواتر موجات الحر والجفاف والتقلبات الجوية.
ولا تقدم «الفاو» وصفة واحدة جاهزة للجزائر أو لغيرها. بل تؤكد صراحة أن التحول لا يملك مساراً موحداً، وأن السياسات يجب أن تنطلق من الواقع المحلي، وهو ما يمنح الجزائر مساحة كبيرة لبناء نموذجها الخاص انطلاقاً من خصائصها الصحراوية والمتوسطية ومواردها المائية غير التقليدية وإمكاناتها الطاقوية.
وهذه قد تكون إحدى نقاط القوة الجزائرية في السنوات المقبلة.
فالدول التي تملك وفرة مائية تستطيع زيادة الإنتاج عبر توسيع الري بسهولة نسبية، بينما تدفع ندرة الموارد الجزائر إلى البحث مبكراً عن حلول أكثر تقدماً في التحلية ومعالجة المياه والري المحسوب والزراعة الصحراوية والطاقة الشمسية. وإذا تحولت هذه الضرورة إلى قاعدة تكنولوجية وصناعية، فقد تنتج عنها خبرة قابلة للتعميم في أسواق أخرى تعاني الظروف المناخية نفسها، خصوصاً في إفريقيا والساحل والشرق الأوسط.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى رقم 247 متراً مكعباً للفرد باعتباره مؤشراً على القيد فقط.
إنه أيضاً رقم يحدد طبيعة النموذج الزراعي الذي تحتاجه الجزائر: نموذج لا يقيس القوة بكثرة المياه المستعملة، بل بما يستطيع استخراجه من قيمة اقتصادية من كل وحدة منها.
وهنا تلتقي الأولويات السبع للفاو مع التحولات التي بدأت تظهر داخل الجزائر: المياه المعالجة، الزراعة الصحراوية، الرقمنة، استصلاح الأراضي، تطوير التخزين والتحويل، والبحث عن مردودية أعلى للمحاصيل الاستراتيجية.
التحدي الحقيقي سيكون في ربط هذه المشاريع ضمن منظومة واحدة.
فإذا نجحت الجزائر في جعل قرار الاستثمار الزراعي مرتبطاً منذ البداية بمصدر المياه وحالة التربة والطاقة والرقمنة والتخزين والتحويل والسوق، فإن المرحلة المقبلة يمكن أن تنتقل فيها السياسة الزراعية من سباق على توسيع المساحات إلى سباق أكثر أهمية: رفع الإنتاجية والقيمة المضافة مع خفض استهلاك الموارد.
وبذلك، فإن تقرير «الفاو» لا يضع أمام الجزائر سبعة التزامات جديدة بقدر ما يقدم إطاراً دولياً لمسار بدأت أجزاء منه بالفعل داخل البلاد.
والفرصة الأكبر تكمن في تحويل هذه الأجزاء المتفرقة إلى سياسة متكاملة تجعل المياه غير التقليدية والري الذكي والتربة السليمة والرقمنة والتمويل الأخضر والصناعة الغذائية حلقات في مشروع اقتصادي واحد.
عندها لن يقاس نجاح الزراعة الجزائرية فقط بعدد ملايين الأطنان أو الهكتارات الجديدة، بل بمؤشر أكثر حسماً لاستدامة الأمن الغذائي: كم قيمة زراعية تستطيع الجزائر إنتاجها من كل متر مكعب من الماء، وكم عاماً تستطيع الأرض مواصلة الإنتاج بالكفاءة نفسها.
وهذه هي المعادلة التي قد تحدد ليس فقط مستقبل الزراعة الخضراء، بل قدرة الجزائر على بناء أمن غذائي أكبر وأكثر استقلالاً وأقل تعرضاً لندرة الموارد وتقلبات المناخ خلال العقود المقبلة.






















