بوابة الجزائر الإخبارية: 34% من احتياجات إسبانيا الغازية أمّنتها الجزائر خلال النصف الأول من 2026، لتتصدر قائمة موردي السوق الإسبانية في مرحلة تتزايد فيها المخاطر الجيوسياسية المحيطة بإمدادات الطاقة. وبالتوازي، تجاوزت التجارة الثنائية 8.42 مليارات يورو خلال 2025، ما منح الجزائر ورقتين اقتصاديتين حاسمتين في إعادة بناء علاقاتها مع مدريد: مورد طاقة ثابت وسوق واسعة يصعب على الشركات الإسبانية تعويضها.

هذه المصالح دفعت البلدين إلى الانتقال من التدبير الحذر لتداعيات أزمة 2022 إلى تأسيس مسار تعاون جديد، من دون تسوية الخلاف المتعلق بالصحراء الغربية. ويقوم النموذج الجاري بناؤه على فصل الملفات، بحيث يحتفظ كل طرف بموقفه السياسي، مقابل إعادة تشغيل التجارة والطاقة والاستثمار والحوار الحكومي.
تقرير إيطالي يضع الجزائر في قلب حسابات مدريد
يرى تحليل نشره المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية «ISPI»، في 22 جويلية 2026، أن الجزائر وإسبانيا اختارتا إدارة خلافهما بدل انتظار تسويته، بالنظر إلى تشابك المصالح الاقتصادية والطاقوية والأمنية بين ضفتي المتوسط.
وكتب أستاذ العلاقات الدولية يحيى زبير أن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، يوم 20 جويلية 2026، شكلت أهم تقدم في العلاقات منذ الأزمة الدبلوماسية التي اندلعت قبل أربعة أعوام. كما اعتبر أن التقارب تحركه الجغرافيا والتكامل الاقتصادي والاعتماد المتبادل في الطاقة، إلى جانب التحديات الأمنية في المتوسط ومنطقة الساحل.
ولا يقدم تحليل «ISPI» هذا التقارب باعتباره توافقًا سياسيًا كاملًا، وإنما صيغة عملية تسمح بإعادة التعاون في الملفات التي تتقاطع فيها المصالح. فمدريد لم تعلن سحب موقفها من قضية الصحراء الغربية، بينما حافظت الجزائر على دعمها لحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ضمن مسار ترعاه الأمم المتحدة.
زيارة سانشيز تنقل العلاقات إلى المستوى الحكومي
استقبل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، بحضور الوزير الأول سيفي غريب، في زيارة وصفتها مدريد بأنها بداية مرحلة جديدة. وخلالها، وصف سانشيز الجزائر بأنها «شريك استراتيجي وبلد صديق»، مؤكدًا رغبة بلاده في توسيع التعاون إلى مجالات تتجاوز المحروقات.
وكان أبرز مخرج مؤسساتي للزيارة الاتفاق على عقد الاجتماع الجزائري–الإسباني الثامن رفيع المستوى في إسبانيا خلال أكتوبر 2026، بعد انقطاع استمر ثماني سنوات. ومن المنتظر أن يسبق الاجتماع عمل وزاري وتقني لإعداد ملفات الطاقة والصناعة والنقل والمياه والبنية التحتية والصناعات الغذائية والخدمات والابتكار والرقمنة.

وتكمن أهمية استعادة القمم الحكومية المنتظمة في إنشاء آلية دائمة لإدارة العلاقة، بدل تركها مرتبطة بالاتصالات المباشرة بين قيادتي البلدين. فقد كشفت أزمة 2022 أن غياب قنوات مؤسساتية فعالة يسمح للخلاف السياسي بالانتقال سريعًا إلى التجارة والاستثمار والمصارف.
من أزمة الصحراء الغربية إلى استعادة الحوار
بدأت القطيعة في مارس 2022، بعدما تبنى سانشيز المقترح المغربي للحكم الذاتي في الصحراء الغربية باعتباره أساسًا لتسوية النزاع. وعدّت الجزائر القرار انحرافًا عن الموقف الإسباني السابق الذي كان يتمسك بمسار سياسي تشرف عليه الأمم المتحدة، خصوصًا أن إسبانيا هي القوة الاستعمارية السابقة للإقليم.
واستدعت الجزائر سفيرها لدى مدريد في 19 مارس 2022، ثم علقت معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون في جوان من العام نفسه. كما تسببت القيود المصرفية التي أعقبت الأزمة في تعطيل معظم التجارة غير المرتبطة بالمحروقات، ما أدى إلى فقدان المصدرين الإسبان عقودًا وحصصًا داخل السوق الجزائرية.
غير أن الجزائر لم تستخدم الغاز أداة لخرق العقود، بل استمرت في تنفيذ التزاماتها تجاه المتعاملين الإسبان. ومنح هذا القرار سوناطراك والجزائر رصيدًا إضافيًا في سوق الطاقة، لأنه أثبت أن الخلاف السياسي لم يؤثر في العقود طويلة الأجل أو في انتظام الإمدادات.
وبدأت مؤشرات الانفراج في نوفمبر 2023، عندما أعادت الجزائر سفيرها إلى مدريد. ثم استؤنفت الاتصالات السياسية والتجارية تدريجيًا، قبل أن تأخذ المصالحة منحى أسرع مع زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر في مارس 2026 وإعادة تفعيل معاهدة الصداقة.
وجاءت زيارة سانشيز في جويلية لتنتقل بالعلاقة من استعادة التمثيل الدبلوماسي إلى إعادة بناء التعاون على مستوى الرئاسة والحكومة والمؤسسات الاقتصادية.
8.42 مليارات يورو تعيد السوق الجزائرية إلى الأولويات الإسبانية
توضح نتائج التجارة الخارجية حجم المصالح التي دفعت مدريد إلى تسريع العودة. فقد بلغت صادرات إسبانيا إلى الجزائر 2.133 مليار يورو في 2025، مقابل نحو 794.5 مليون يورو خلال 2024، ما يمثل زيادة سنوية قدرها 168.5%.
وبصيغة أخرى، صعدت المبيعات الإسبانية إلى قرابة 2.7 ضعف مستواها المسجل قبل عام. ويعكس هذا الارتفاع استعادة الشركات الإسبانية جزءًا من المواقع التي فقدتها خلال الأزمة، خصوصًا في المعدات والمواد الصناعية والصناعات الغذائية والمنتجات الكيميائية والخدمات المرتبطة بالمشروعات.
أما واردات إسبانيا من الجزائر، فبلغت 6.296 مليارات يورو خلال 2025، مدفوعة أساسًا بالغاز الطبيعي ومشتقات الطاقة. ووصل إجمالي المبادلات في الاتجاهين إلى 8.429 مليارات يورو، مقابل فائض تجاري جزائري يناهز 4.163 مليارات يورو.
وتضع هذه النتائج الجزائر في موقع تفاوضي قوي، إذ تجمع بين القدرة على تأمين الطاقة والوصول إلى سوق تضم أكثر من 47 مليون مستهلك. كما تكشف قفزة الصادرات الإسبانية أن السوق الجزائرية لم تكن سهلة التعويض خلال سنوات الأزمة، وأن استعادتها أصبحت مطلبًا مباشرًا للمؤسسات الإيبيرية.
غير أن مصلحة الجزائر لا تتوقف عند عودة السلع الإسبانية. فالمرحلة الجديدة تمنحها فرصة لربط توسيع المبادلات بإقامة وحدات إنتاجية محلية، وتدريب الكفاءات، ونقل التكنولوجيا، وإشراك المؤسسات الجزائرية في سلاسل القيمة، بدل إعادة إنتاج علاقة تجارية يغلب عليها الاستيراد.
الغاز الجزائري يتصدر الإمدادات الإسبانية
تظل الطاقة الأساس الأكثر صلابة في الشراكة، بعدما وفرت الجزائر قرابة 34% من واردات إسبانيا الغازية خلال الأشهر الستة الأولى من 2026. وأكدت رئاسة الحكومة الإسبانية أن الجزائر كانت المورد الأول منذ بداية العام، مشيدة باستقرار إمداداتها وسط اضطرابات أسواق النفط والغاز.
وتحصل إسبانيا على غالبية الغاز الجزائري عبر أنبوب «ميدغاز» البحري الذي يربط بني صاف في ولاية عين تموشنت بمدينة ألميريا، إلى جانب شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من المنشآت الجزائرية.
وتمتلك سوناطراك 51% من الشركة المشغلة لـ«ميدغاز»، ما يجعل الجزائر شريكًا في أصل استراتيجي ينقل الغاز مباشرة إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، من دون المرور بدولة ثالثة. كما ترتبط «ناتورجي» بعقود طويلة الأجل مع سوناطراك لاستيراد نحو خمسة مليارات متر مكعب سنويًا.
ولا يقتصر وزن هذه العلاقة على حجم الكميات، إذ تقلل الإمدادات المباشرة عبر الأنابيب تعرض السوق الإسبانية لتقلبات الشحن البحري وتكاليف الغاز الطبيعي المسال. كما تمنح مدريد مصدرًا قريبًا قائمًا على بنية تحتية جاهزة وعقود طويلة الأجل.
زيادة إمدادات «ميدغاز» تنتظر الاتفاق التجاري
ناقشت الجزائر وإسبانيا، قبل زيارة سانشيز، إمكانية رفع كميات الغاز المنقولة عبر «ميدغاز» بما يصل إلى 10%، استنادًا إلى طاقة إضافية تقارب مليار متر مكعب سنويًا.
وأسفرت زيارة 20 جويلية عن تفاهم سياسي لزيادة الإمدادات، لكن البيان الرسمي لم يتضمن حجم الزيادة أو سعر الغاز أو تاريخ بدء الضخ. لذلك لا يمكن التعامل مع الكميات الإضافية بوصفها اتفاقًا تجاريًا نهائيًا قبل انتهاء مفاوضات سوناطراك والشركات الإسبانية المعنية.
ومع ذلك، تحمل الخطوة دلالة اقتصادية واضحة؛ فإسبانيا تريد تعزيز الإمدادات القادمة عبر الأنابيب، بينما تستطيع الجزائر استخدام أي زيادة في المبيعات ضمن مفاوضات أوسع تتعلق بالاستثمار والشراكة الصناعية والتكنولوجيا.
كما يوفر ارتفاع الطلب الإسباني قاعدة لتوسيع الإنتاج الجزائري واستثمارات المنبع، شرط ربط العقود الجديدة بعائد اقتصادي مستدام، بدل الاكتفاء بزيادة الكميات دون تعظيم القيمة داخل الاقتصاد الوطني.
الجزائر تريد استثمارًا منتجًا لا عودة تجارية فقط
وضعت زيارة سانشيز ملفات الصناعة والبنية التحتية والمياه والنقل والصناعات الغذائية والخدمات الرقمية على طاولة التعاون. كما رافق رئيس الحكومة الإسبانية ممثلون عن مؤسسات ناشطة في الطاقة والهندسة والتكنولوجيا وإدارة المياه.
وعرضت مدريد خبرة شركاتها بوصفها أداة للاستثمار وخلق الوظائف وتطوير سلاسل القيمة. غير أن نجاح هذا التوجه من المنظور الجزائري يتطلب انتقال المؤسسات الإسبانية من تصدير المعدات والخدمات إلى إقامة مشروعات منتجة ذات إدماج محلي.
وتستطيع الجزائر توظيف تنافس الشركات الأوروبية على فرص السوق لرفع سقف شروطها في التصنيع ونقل التكنولوجيا وتكوين الموارد البشرية والمناولة المحلية. كما تسمح برامج الاستثمار العمومي في السكك الحديدية والمناجم وتحلية المياه والزراعة الصحراوية والصناعة التحويلية بانتقاء المشروعات التي تتوافق مع أهداف التنويع خارج المحروقات.
ويمنح هذا التوجه الجزائر فرصة لتغيير طبيعة العلاقة الاقتصادية مع إسبانيا؛ فمن شراكة تهيمن عليها صادرات الغاز والواردات المصنعة إلى نموذج يجمع الطاقة بالإنتاج المشترك والاستثمار والتكنولوجيا.
المياه والصناعة والنقل تفتح سوقًا جديدة للشركات الإسبانية
يمثل قطاع المياه أحد أكثر مجالات التعاون قابلية للتحول إلى عقود فعلية، بالنظر إلى توسع البرنامج الجزائري لتحلية مياه البحر وخبرة المؤسسات الإسبانية في تصميم المحطات وإدارتها ومعالجة المياه المستعملة وإعادة استخدامها وتحديث شبكات التوزيع.
كما توجد فرص في السكك الحديدية والهندسة الصناعية والتجهيزات والصناعات الغذائية والزراعة الذكية والطاقات المتجددة. وتحتاج المشروعات الجزائرية في هذه القطاعات إلى معدات وخبرة تقنية وتمويل، فيما تحتاج الشركات الإسبانية إلى أسواق جديدة قريبة جغرافيًا وقادرة على استيعاب استثمارات كبيرة.
وفي المقابل، ستبقى قدرة المؤسسات الإسبانية على الاستفادة من هذه الفرص مرتبطة بالتزامها بالقواعد الاستثمارية والمصرفية الجزائرية، وتقديم عروض تتضمن قيمة مضافة محلية واضحة بدل الاكتفاء ببيع الخدمات والتجهيزات.
كما تنتظر مدريد مزيدًا من الوضوح في معالجة العمليات التجارية والتوطين المصرفي وتسوية الملفات العالقة، بينما تنتظر الجزائر تعهدات قابلة للقياس في التشغيل والإنتاج ونقل المعرفة.
شراكة تمتد من المتوسط إلى الساحل وإفريقيا
لا ينحصر الوزن الجزائري في الطاقة والتجارة، إذ تمثل البلاد فاعلًا أمنيًا وسياسيًا رئيسيًا بين غرب المتوسط والساحل. وتحتاج إسبانيا إلى التنسيق معها في مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير النظامية وأمن الملاحة، إضافة إلى متابعة التطورات في مالي وليبيا وبقية دول الساحل.
وخلال زيارته، قدم سانشيز الجزائر وإسبانيا بوصفهما جسرًا بين أوروبا وإفريقيا، وربط المرحلة الجديدة باستراتيجية بلاده تجاه القارة للفترة 2025–2028.
ويتيح هذا التوجه إمكان تطوير مشروعات جزائرية–إسبانية مشتركة تستهدف الأسواق الإفريقية، خصوصًا في الهندسة والبناء والطاقة والمياه والنقل والخدمات اللوجستية والتكوين. كما يمنح الشركات الجزائرية فرصة للاندماج في تحالفات تصديرية بدل حصر التعاون داخل المبادلات الثنائية.
كذلك يمكن لإسبانيا أداء دور داعم للحوار بين الجزائر والاتحاد الأوروبي بشأن اتفاق الشراكة، الذي تعتبره الجزائر غير متوازن من حيث الامتيازات التجارية وفتح الأسواق. ورغم أن مدريد لا تحدد منفردة سياسة الاتحاد، فإنها تستطيع الدفاع عن مقاربة أوروبية تراعي أولويات الصناعة الجزائرية وتوسيع الصادرات خارج المحروقات.
قمة أكتوبر تختبر جدية العودة الإسبانية
يرى تحليل «ISPI» أن التقارب لا يشكل إعادة اصطفاف سياسي كاملة، وإنما تسوية براغماتية تحمي المصالح المشتركة من استمرار الخلاف حول الصحراء الغربية. فمدريد تحافظ على علاقاتها مع المغرب، لكنها لا تستطيع تجاهل حاجتها إلى الغاز الجزائري والسوق الجزائرية والتنسيق مع الجزائر في أمن المتوسط والساحل.
وسيكون الاجتماع رفيع المستوى المقرر خلال أكتوبر 2026 الاختبار الأول لقدرة الطرفين على تحويل التقارب السياسي إلى نتائج اقتصادية. ويتطلب ذلك تحديد مشروعات قابلة للتنفيذ، ووضع أجندة للمشاورات الوزارية، وإنشاء آلية لحل النزاعات التجارية، وتسوية الملفات العالقة أمام المؤسسات.
كما سيكون الإعلان عن تفاصيل زيادة الغاز، وحجم الاستثمارات الجديدة، ونسب الإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا، المعيار الفعلي لقياس المكاسب الجزائرية من المرحلة الجديدة.
وتدخل الجزائر هذه المفاوضات بأوراق ملموسة: حصة تقارب ثلث سوق الغاز الإسبانية، وفائض تجاري يتجاوز أربعة مليارات يورو، وسوق داخلية كبيرة، وموقع استراتيجي يربط أوروبا بإفريقيا، إلى جانب مشروعات واسعة في الطاقة والمناجم والمياه والنقل والصناعة.
وبالتالي، لا تتمثل القيمة الحقيقية لعودة إسبانيا في استئناف التجارة فقط، وإنما في قدرة الجزائر على تحويل الاعتماد الإسباني على طاقتها وحاجة الشركات إلى سوقها إلى استثمارات إنتاجية وتحالفات صناعية ونقل للتكنولوجيا. وإذا أفضت قمة أكتوبر إلى عقود واضحة في هذه المجالات، ستكون الجزائر قد نقلت المصالحة من مجرد استعادة العلاقات إلى شراكة تخدم التصنيع والتنويع والسيادة الاقتصادية.















