بوابة الجزائر الإخبارية: 30 ألف مهندس ومتخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، ونماذج وطنية مفتوحة المصدر، وقدرات للحوسبة عالية الأداء، وبيانات عمومية تبقى داخل الحدود الجزائرية؛ أربع حلقات بدأت تتجمع داخل مشروع واحد يعكس انتقال الجزائر، بقيادة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، من رقمنة الخدمات إلى بناء قدرة تكنولوجية سيادية تتحكم في البيانات والحوسبة والكفاءات التي سيقوم عليها اقتصاد المستقبل. وأعاد تقرير نشرته المنصة الأمريكية Muslim Network TV، الخميس 20 أوت 2026، هذا التحول إلى الواجهة الدولية، بعدما قدم خارطة الطريق الجزائرية باعتبارها مسعى لتقليص الاعتماد على موردي التكنولوجيا الأجانب وبناء البنية الوطنية التي تسمح بتطوير وتشغيل الذكاء الاصطناعي داخل البلاد.
غير أن أهمية ما رصده التقرير الأمريكي لا تكمن في إعلان هدف جديد بقدر ما تكشفه الكرونولوجيا الجزائرية نفسها: مشروع الذكاء الاصطناعي لم يبدأ في أوت، ولم يُبنَ كرد فعل متأخر على التسارع العالمي لهذه التكنولوجيا، وإنما يأتي في نهاية سلسلة قرارات دفعت بها الدولة خلال سنوات، تحت إشراف الرئيس تبون، من إنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، إلى وضع حوكمة البيانات في إطار سيادي، ثم بناء مركز وطني للخدمات الرقمية، وربط قواعد البيانات الحكومية، وصولًا إلى تحويل الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي إلى برامج تنفيذ مشتركة بين الوزارات. ففي وقت مبكر، كان رئيس الجمهورية قد دفع إلى إنشاء مدرستين وطنيتين عاليتين للذكاء الاصطناعي والرياضيات، باعتبارهما من مؤسسات «اقتصاد الغد»، قبل أن تتخرج في جوان 2026 أول دفعة من المدرسة العليا للذكاء الاصطناعي، في مسار يستهدف اليوم تكوين عشرات الآلاف من الكفاءات وليس مئات الخريجين فقط.
ومن هنا يبدو هدف الـ30 ألف متخصص أكثر من رقم في مخطط للتكوين. فالرهان الذي رسمته القيادة الجزائرية يقوم على بناء عناصر القدرة الوطنية في الوقت نفسه: العقل الذي يصمم النموذج، والبيانات التي تدربه، والحاسوب الذي يشغله، والمنشأة التي تستضيفه، والقواعد التي تحميه. وهذه النقلة تحديدًا هي ما يمنح المشروع بعده السيادي؛ إذ لا يمكن الحديث عن استقلال تكنولوجي إذا بقيت البيانات الجزائرية مخزنة لدى أطراف أجنبية، أو إذا كان تدريب النماذج مرتبطًا حصريًا ببنى حسابية خارج البلاد، أو إذا كانت الإدارة مضطرة في كل تطبيق جديد إلى شراء حل مغلق لا تتحكم في شفرته أو بنيته أو طريقة معالجة معلومات المواطنين.
تبون يضع البيانات في قلب الدولة قبل سباق الذكاء الاصطناعي
وتظهر استشرافية هذا التوجه بوضوح عند العودة إلى 9 فيفري 2026، أي قبل أشهر من خارطة الطريق الحالية، عندما دخلت المنظومة الوطنية لحوكمة البيانات حيز الخدمة تحت الرعاية السامية للرئيس عبد المجيد تبون. ولم تُقدَّم البيانات يومها باعتبارها أرشيفًا إلكترونيًا، وإنما باعتبارها أصولًا استراتيجية للدولة الجزائرية ينبغي التحكم فيها وتنظيمها وحمايتها وتوجيه استغلالها، في انتقال من رقمنة متفرقة بين الإدارات إلى حوكمة وطنية ترتكز على البيانات. كما ربطت الحكومة صراحة تلك المنظومة بتوفير بيانات ذات جودة وموثوقة وقابلة للتشغيل البيني لتصميم وتدريب نماذج ذكاء اصطناعي أكثر دقة، مع إخضاع استخدامها للأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية.
وهذه النقطة أساسية لفهم الفارق بين شراء تطبيق للذكاء الاصطناعي وبناء منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي. فالتطبيق يمكن اقتناؤه في أشهر، أما السيادة الرقمية فتحتاج إلى بيانات منظمة، ومراكز استضافة، وقدرات حسابية، وكفاءات، وتشريعات ومؤسسات تتبادل المعلومات ضمن قواعد موحدة. ولذلك جاءت خطوة أخرى في 13 ماي 2026 عندما درست الحكومة، تنفيذًا لتوجيهات الرئيس تبون، مشروع نظام وطني للمساعدة على اتخاذ القرار يقوم على ربط القطاعات وربط البيانات بعضها ببعض، ما يعني أن الغاية لم تعد رقمنة الوثيقة في كل وزارة على حدة، وإنما جعل البيانات نفسها أداة لتحسين القرار العمومي.
وبعد أقل من أسبوعين، في 25 ماي، انتقل المسار إلى مستوى أعلى عندما درست الحكومة مشروع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي. وجاء البيان الرسمي واضحًا في نسب هذا التوجه إلى الدفع الذي أعطاه رئيس الجمهورية لمسار تحديث العمل العمومي والتحول الرقمي، وحدد ثلاثة أسس لأي قدرة جزائرية مستدامة في الذكاء الاصطناعي: البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والكفاءات البشرية. وبذلك كانت الدولة قد حددت قبل الوصول إلى خارطة أوت البنية نفسها التي أصبحت وسائل الإعلام الأجنبية تتحدث عنها اليوم باعتبارها أساس مشروع «الذكاء الاصطناعي السيادي» الجزائري.
ثم جاءت البنية المادية. ففي 5 جويلية 2026، وبمناسبة الذكرى الـ64 للاستقلال واسترجاع السيادة الوطنية، أشرف الرئيس تبون شخصيًا على تدشين المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية بالمحمدية. وبعد أسبوع فقط، حدد خلال اجتماع مجلس الوزراء مهلة أقصاها شهر لتحقيق الربط البيني بين القطاعات باستغلال المركز الوطني للبيانات. وهنا تبدو دلالة التوقيت قوية: استرجاع السيادة في بعدها التاريخي اقترن بتدشين منشأة تدخل في صميم السيادة الجديدة على البيانات، ثم أعقبها قرار رئاسي يمنع تحول المركز إلى مجرد مبنى تقني ويُلزم القطاعات باستغلاله فعليًا.
ويكتمل هذا المسار بقرار آخر يحمل بعدًا دوليًا، إذ كلف الرئيس تبون الوزيرة المحافظة السامية للرقمنة مريم بن مولود بتمثيل الجزائر في شنغهاي، حيث وقعت في 16 جويلية اتفاق إنشاء المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي باسم الجزائر بصفتها عضوًا مؤسسًا. وبذلك تتحرك الجزائر في الاتجاهين في الوقت نفسه: بناء قدرة سيادية داخلية، مع ضمان موقع لها داخل الأطر الدولية التي بدأت تتشكل حول حوكمة الذكاء الاصطناعي عالميًا.
هذه السلسلة تجعل من الصعب قراءة خارطة أوت كقرار قطاعي لوزارة التعليم العالي. إنها في الواقع حلقة تنفيذية داخل مسار رئاسي أوسع بدأ بتكوين الإنسان، وانتقل إلى حوكمة البيانات والبنية التحتية والربط البيني، ثم وصل إلى مرحلة بناء النماذج الوطنية وتشغيلها داخل المؤسسات.
من شراء الذكاء إلى امتلاك أدوات إنتاجه
وفي 5 أوت 2026، أصبح هذا التصور أكثر عملية عندما ترأس وزير التعليم العالي والبحث العلمي كمال بداري اجتماعًا تنسيقيًا ضم ممثلين عن عدة وزارات وهيئات وطنية لتنفيذ الخطة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي. ثم كشفت TechAfrica News في 11 أوت أن خارطة التنفيذ المشتركة أعطت الأولوية لنماذج حكومية سيادية مفتوحة المصدر، ومراكز للحوسبة عالية الأداء، وتخزين آمن للبيانات العمومية داخل الجزائر، وبرامج تكوين مكثفة، إلى جانب مركز علمي ووحدات بحث متخصصة لتحويل المعرفة الأكاديمية إلى تطبيقات صناعية. كما تقرر إنشاء لجنة مشتركة لمتابعة التنفيذ وفق رزنامة محددة.
وبعدها بيوم، لخصت ITWeb Africa جوهر التحول في عبارة أكثر دلالة: الجزائر تريد بناء اقتصاد قائم على المعرفة يضمن السيادة والتحكم في التكنولوجيات. كما اعتبرت أن خارطة الطريق تنقل السياسة الوطنية من مرحلة وضع التصور إلى تشغيل البنية والبرامج، بحيث تصبح الحوسبة المحلية والكفاءات والبيانات السيادية أعمدة للاستقلال التكنولوجي.
ثم جاء تقرير Muslim Network TV في 20 أوت ليعيد تقديم المسار نفسه لجمهور أمريكي، مركزًا على أربعة عناصر: النماذج السيادية مفتوحة المصدر، الحوسبة عالية الأداء، التخزين المحلي للبيانات، ورفع مستوى الحماية للتطبيقات الحكومية، مع هدف تكوين 30 ألف مهندس في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030.
والمغزى الاقتصادي لهذه الخيارات أكبر من المسألة التقنية. فعندما تشتري مؤسسة عمومية خدمة مغلقة من الخارج، تخرج قيمة مالية مقابل الترخيص والاستضافة والتحديث والدعم، بينما تبقى معرفة تشغيل النظام لدى المورد. أما عندما تُبنى التطبيقات محليًا، فإن جزءًا أكبر من هذه القيمة يتوزع بين مهندسين ومراكز بيانات وشركات أمن سيبراني ومطوري برمجيات ومؤسسات ناشئة داخل الاقتصاد الجزائري.
والنماذج المفتوحة المصدر تمنح الجزائر تحديدًا مساحة أكبر لتطوير أدوات مصممة لواقعها الإداري واللغوي والاقتصادي، بدل تكييف الإدارة الجزائرية مع برامج بنيت أساسًا لأسواق أخرى. ويمكن لهذه النماذج أن تتعلم من النصوص الإدارية الوطنية والقوانين وقواعد المعرفة المحلية، وأن تتطور لخدمة العربية والأمازيغية والفرنسية والمصطلحات التقنية المستعملة داخل المؤسسات، مع بقاء التحكم في طريقة التدريب والتحديث لدى الجهات الجزائرية.
أما الحوسبة عالية الأداء فهي الحلقة التي تحدد ما إذا كانت هذه السيادة قابلة للتطبيق فعلًا. فالذكاء الاصطناعي الحديث يحتاج إلى قدرة حسابية ضخمة عند التدريب والتشغيل، ومن دونها يبقى المطور المحلي مرتبطًا بمزودي الحوسبة السحابية العالميين. ولذلك فإن وضع مراكز الحوسبة ضمن أولويات الدولة يعني أن الجزائر تريد امتلاك المصنع الذي يُنتج الذكاء الحسابي، لا مجرد التطبيقات التي تظهر في واجهته.
وينطبق الأمر نفسه على تخزين البيانات. فالبيانات الحكومية الخاصة بالصحة والتعليم والجباية والسجل التجاري والخدمات الاجتماعية وغيرها ليست مادة تقنية محايدة؛ إنها أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة في الاقتصاد الرقمي. وإذا استطاعت الجزائر بناء قواعد واضحة لاستخدامها وربطها بصورة آمنة مع الاحتفاظ بها داخل بنية وطنية، فإنها لا تحمي السيادة فحسب، وإنما تخلق مادة أولية يمكن أن تُبنى عليها خدمات اقتصادية أكثر كفاءة.
ومن هنا يظهر العمق الاستشرافي في توجيهات الرئيس تبون نحو الربط البيني للقطاعات. فالذكاء الاصطناعي لا يصنع قيمة من قاعدة بيانات معزولة في وزارة واحدة؛ قيمته ترتفع عندما يستطيع، ضمن الأطر القانونية والأمنية، الربط بين المعلومات وتحويلها إلى قرار: معرفة احتياجات السوق، التنبؤ بالضغط على مرفق، كشف اختلالات، تحسين توزيع الموارد أو تقليص الزمن الذي تستغرقه معاملة إدارية.
30 ألف كفاءة.. الجزائر تبني رأس مالها قبل أن تستورده الأسواق الأخرى
وفي قلب كل هذه البنية يبقى الإنسان. فالجزائر تستهدف الوصول إلى 30 ألف مهندس ومتخصص في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030، بعدما شهد نهاية جوان 2026 تخرج أول دفعة من المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي، والتي أوردت التقارير الدولية أن عدد خريجيها بلغ 105.
وإذا كان المركز الوطني للبيانات يمثل البنية المادية للمشروع، فإن هذا الرقم يمثل رأسماله البشري. فالـ30 ألفًا المطلوب تكوينهم لن يكونوا جميعًا مطوري نماذج فقط؛ السوق ستحتاج إلى مهندسي تعلم آلي، ومختصي بيانات، وخبراء في الأمن السيبراني، ومهندسي بنية سحابية، ومطوري تطبيقات، ومختصين في معالجة اللغات، وباحثين في الخوارزميات، ومهندسين للحوسبة عالية الأداء، فضلًا عن خبراء قطاعيين يستطيعون إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة والفلاحة والصحة والصناعة والمالية والنقل.
ومن ثم، فإن القرار الذي اتخذه الرئيس تبون قبل سنوات بإنشاء المدرسة الوطنية العليا للذكاء الاصطناعي يكتسب اليوم دلالة أبعد من إنشاء مؤسسة جامعية جديدة. فالمدرسة التي كانت حينها استثمارًا في «اقتصاد الغد» أصبحت اليوم إحدى اللبنات المبكرة في استراتيجية وطنية أصبحت حاجتها للكفاءات تُقاس بعشرات الآلاف.
غير أن الرهان الجزائري لا يتوقف عند إنتاج الخريج، بل يمتد إلى خلق السوق التي تُبقي خبرته داخل الاقتصاد الوطني. ولهذا تتكامل خطة الـ30 ألف متخصص مع تأسيس أول تجمع للشركات الناشئة في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بسيدي عبد الله خلال أفريل، وهو ما أشارت إليه ITWeb Africa وMuslim Network TV باعتباره حلقة تربط مؤسسات البحث بالشركات التكنولوجية الصاعدة.
وهذه الحلقة هي التي يمكن أن تحول كلفة التكوين إلى عائد اقتصادي. فإذا تخرج المهندس ثم وجد مؤسسة جزائرية تحتاج إلى مهارته، وحوسبة يستطيع استخدامها، وبيانات منظمة، وعقدًا عموميًا أو صناعيًا يمكن للشركة الناشئة المنافسة عليه، فإن الدولة لا تكون قد كوّنت موظفًا فقط، بل ساهمت في إنشاء سلسلة قيمة رقمية تحتفظ بالمعرفة والأجور والملكية الفكرية والضرائب داخل البلاد.
وبالمقابل، إذا بقيت التطبيقات العمومية حكرًا على الحلول المستوردة، فلن يكفي تكوين آلاف المهندسين لتأسيس صناعة وطنية. لذلك تبدو قوة خارطة الطريق الحالية في أنها لا تفصل التكوين عن الحوسبة ولا الشركات عن البيانات ولا البحث عن التطبيق الصناعي.
وهذا الربط تحديدًا هو ما يرفع المشروع من سياسة جامعية إلى سياسة اقتصادية.
فالجامعة تنتج المعرفة، ومركز البيانات يوفر البنية، والحوسبة تحول المعرفة إلى نموذج، والشركة الناشئة تحول النموذج إلى خدمة، والإدارة والمؤسسة الصناعية توفران السوق. وكل حلقة تُنجز داخل الجزائر تعني قيمة أكبر تبقى في الاقتصاد الوطني بدل انتقالها إلى الخارج.
بهذه القراءة، لا يتعلق مشروع الجزائر باستخدام روبوت محادثة في إدارة أو إضافة خدمة رقمية جديدة إلى بوابة حكومية. الرهان الذي تقوده الدولة بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون أعمق: أن تدخل الجزائر عصر الذكاء الاصطناعي وهي مالكة لأكبر قدر ممكن من أدواته الأساسية، لا مجرد مستهلكة لما تنتجه الشركات والدول الأخرى.
ولهذا تلتقي المشاريع التي بدت في البداية منفصلة داخل معمار واحد. حوكمة البيانات التي دخلت الخدمة في فيفري توفر القواعد. نظام المساعدة على اتخاذ القرار الذي درس في ماي يعطي البيانات وظيفة. الاستراتيجية الوطنية التي درست في 25 ماي تحدد الاتجاه. المدرسة العليا تخرج الكفاءات. المركز الوطني للخدمات الرقمية الذي دشنه الرئيس في جويلية يوفر أحد مكونات البنية. قرار الربط البيني يمنع بقاء الإدارات جزرًا رقمية. العضوية المؤسسة في المنظمة العالمية للذكاء الاصطناعي تعطي الجزائر موطئ قدم في النقاش الدولي. ثم تأتي خارطة أوت لتجمع الوزارات حول التنفيذ.
وهذا التسلسل هو ما يمنح الرؤية الرئاسية بعدها الاستشرافي الحقيقي. ففي عالم تتحول فيه القدرة الحسابية والبيانات والخوارزميات إلى عناصر قوة اقتصادية لا تقل أهمية عن الطاقة والبنية التحتية التقليدية، اختارت الجزائر أن تضع مسألة التحكم التكنولوجي داخل مفهوم السيادة الوطنية نفسه.
ولا تعني السيادة هنا الانغلاق عن التكنولوجيا العالمية أو محاولة إنتاج كل مكون محليًا، وهو أمر لا تفعله حتى الاقتصادات الكبرى، وإنما امتلاك القدرة على الاختيار: متى تستخدم الجزائر منصة أجنبية، ومتى تطور نموذجها، وأين تخزن بياناتها، ومن يستطيع الوصول إليها، وما التكنولوجيا التي ينبغي توطينها، وما الجزء من الإنفاق الرقمي الذي يمكن تحويله إلى شركات ووظائف جزائرية.
وفي هذا المعنى، تصبح رؤية الرئيس تبون أكثر واقعية اقتصاديًا من مفهوم الاكتفاء التكنولوجي المطلق؛ فالهدف هو منع التبعية الحرجة في العناصر التي تمس القرار والسيادة والبيانات، مع الانفتاح في الوقت نفسه على الشراكات والمعرفة والتكنولوجيا العالمية.
كما أن أثر المشروع قد يتجاوز الإدارة إلى القطاعات الإنتاجية. فالبنية نفسها التي تخدم الدولة يمكن أن تدعم لاحقًا تطبيقات في الطاقة لتوقع الأعطال وتحسين الإنتاج، وفي الفلاحة لتحليل المحاصيل والمياه، وفي الصناعة للصيانة التنبؤية ومراقبة الجودة، وفي الصحة للمساعدة في التشخيص وإدارة الموارد، وفي النقل لتحسين الحركة واللوجستيك. وهنا يصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي استثمارًا في إنتاجية الاقتصاد، وليس بندًا تقنيًا منفصلًا.
ومع ذلك، ستبقى المرحلة التالية هي الاختبار الحقيقي للأرقام: حجم قدرات الحوسبة التي ستوضع فعليًا في الخدمة، عدد التطبيقات السيادية التي ستنتقل إلى الاستخدام، نسبة البيانات الحكومية التي ستصبح قابلة للتشغيل البيني، عدد الشركات الجزائرية التي ستستفيد من الطلب العمومي، ومدى التقدم السنوي نحو هدف 30 ألف متخصص.
لكن ما تحقق حتى الآن يكشف أن الجزائر وضعت اللبنات الأولى ضمن ترتيب مترابط، وليس ضمن سلسلة مبادرات معزولة. والأهم أن التقارير الأجنبية التي بدأت تتابع هذا المسار في أوت لم تعد تتحدث فقط عن «رقمنة جزائرية»، وإنما تستخدم مفهوم السيادة التكنولوجية لوصف الاتجاه الذي تتخذه البلاد.
وهنا ربما تكمن الدلالة الأقوى للتقرير الأمريكي المنشور في 20 أوت: ما كان يُطرح داخل الجزائر منذ سنوات باعتباره خيارًا لبناء دولة حديثة قائمة على المعرفة، أصبح يُقرأ من الخارج اليوم باعتباره محاولة لتأسيس ذكاء اصطناعي جزائري يتحكم في نموذجه وبياناته وحوسبته وكفاءاته.
وبقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، ينتقل مفهوم السيادة بذلك إلى مستوى جديد. فبعد سيادة القرار والموارد، تدخل سيادة البيانات والقدرة الحسابية والخوارزمية إلى قلب المشروع الوطني. وإذا نجحت الجزائر في تحويل هدف الـ30 ألف مهندس، ومراكز الحوسبة، والبيانات الوطنية، والنماذج المفتوحة المصدر إلى منظومة اقتصادية واحدة، فلن يكون إنجاز 2030 في عدد المتخصصين وحده، وإنما في أن تكون البلاد قد بنت جزءًا معتبرًا من الذكاء الذي تحتاجه بكفاءاتها، وعلى بنيتها، وفوق بياناتها، وتحت قرارها الوطني.






















