بوابة الجزائر الإخبارية: 40 ميغاواط أضيفت إلى شبكة الكهرباء في نيامي خلال جوان، وأربع آبار استكشافية دخلت برنامج الحفر الجزائري في كفرا خلال أوت، فيما انتقل أنبوب الغاز العابر للصحراء من الدراسات إلى بدء تنفيذ شطره الجزائري. بهذه المشاريع وصل الوزير الأول النيجري علي محمد لمين زين إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ليضع الجزائر، بالاسم، ضمن الدول التي ساعدت بلاده على الصمود، معتبرًا أن النيجر بقيت «واقفة على قدميها» لأن الجزائر، الجار والبلد الشقيق، اختارت مرافقتها في مرحلة سياسية وأمنية واقتصادية شديدة الحساسية.
وتحمل كلمات زين خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة وزنًا يتجاوز المجاملة الدبلوماسية، لأن المرافقة التي تحدث عنها أصبحت خلال 2026 مرتبطة بمشاريع يمكن قياسها على الأرض. فقد أشار إلى الاستثمار في استغلال الموارد الطبيعية، ومساندة القدرات الدفاعية، والتعاون في الصحة والتعليم والطاقة والمياه والزراعة، قبل أن يربط العلاقات الثنائية بمشروعين يتجاوزان حدود البلدين، هما الطريق العابر للصحراء وأنبوب الغاز نيجيريا–النيجر–الجزائر.
وهذا التوصيف يضع العلاقة الجزائرية-النيجرية في إطار أوسع من التعاون الحدودي التقليدي. فخلال الأشهر الأخيرة، تحركت الجزائر في النيجر على ثلاث واجهات مترابطة: تأمين احتياجات فورية في الكهرباء والأمن، بناء استثمارات طويلة الأجل في المحروقات، ودفع مشاريع قارية يفترض أن تجعل النيجر حلقة عبور وإنتاج بين خليج غينيا وشمال إفريقيا.
ومن هنا تأتي أهمية الإشادة التي صدرت من نيويورك. فهي جاءت بعد أن تحولت التعليمات التي أعطاها الرئيس عبد المجيد تبون بشأن دعم النيجر إلى مشاريع دخل بعضها الخدمة بالفعل، بينما انتقل بعضها الآخر إلى مرحلة الحفر والإنجاز.
40 ميغاواط خلال أقل من ثلاثة أشهر
أوضح مثال على هذا الانتقال كان محطة «التضامن الجزائري-النيجري» في منطقة غورو باندا بالعاصمة نيامي، التي دُشنت في 3 جوان 2026 بطاقة 40 ميغاواط.
المحطة، التي أُنجزت بتوجيه من الرئيس تبون بواسطة «سونلغاز إنترناشيونال»، تتكون من توربينتين غازيتين متنقلتين بطاقة 20 ميغاواط لكل واحدة، وربطت بشبكة النقل والتوزيع النيجيرية بهدف دعم استقرار الكهرباء في العاصمة وتغطية الطلب المتزايد. والأكثر لفتًا أن المشروع أُنجز في أقل من ثلاثة أشهر من الدراسات والتجهيز والنقل الجوي والتركيب إلى الاختبارات ووضع المنشأة في الخدمة.
ولم يقتصر المشروع على تسليم المعدات؛ فقد تدرب ثمانية تقنيين من الشركة النيجيرية للكهرباء «NIGELEC» داخل مدارس سونلغاز في الجزائر على تشغيل وصيانة التوربينات بين 4 و23 مارس، بما أضاف عنصر نقل الخبرة إلى الدعم المادي.
وبالنسبة إلى نيامي، جاءت المحطة في ملف يمس مباشرة القدرة الاقتصادية للدولة، لأن الكهرباء ليست خدمة اجتماعية فقط؛ فهي شرط لتشغيل الإدارات والمياه والمستشفيات والنشاط التجاري والاستثمار. وقد وصف الوزير الأول النيجري عند تدشينها المشروع بأنه مساهمة في تحقيق السيادة الطاقوية لبلاده، وهو التوصيف نفسه الذي يمنح المرافقة الجزائرية بعدها السياسي والاقتصادي معًا.
من الكهرباء إلى باطن الأرض.. سوناطراك تدخل كفرا
بعد أقل من ثلاثة أشهر، انتقلت الشراكة إلى مستوى آخر تمامًا.
ففي 13 أوت 2026، أطلق الوزيران الأولان الجزائري والنيجري رسميًا في منطقة أغاديز عمليات حفر بئر الاستكشاف «كفرا جنوب شرق-1»، على بعد نحو 85 كيلومترًا فقط من الحدود الجزائرية. والبئر جزء من برنامج أوسع بين سوناطراك و«سونيداب» النيجيرية يشمل حفر أربع آبار استكشافية داخل رخصة كفرا.
وتبلغ مساحة الرخصة نحو 23,737 كيلومترًا مربعًا، فيما يستهدف أول بئر عمقًا يصل إلى نحو 3,900 متر. وتتولى «إينافور»، فرع سوناطراك المتخصص في الحفر، العمليات الميدانية، بينما تعمل «SIPEX Niger» ضمن عقد تقاسم إنتاج مع الدولة النيجيرية.
وهنا يصبح حديث زين في الأمم المتحدة عن «استثمار مهم في استغلال الموارد الطبيعية» أكثر وضوحًا.
فالجزائر لم تدخل النيجر فقط كمورد للمساعدات أو المعدات، بل دخلت عبر سوناطراك إلى قطاع يمثل أحد أكبر رهانات السيادة الاقتصادية النيجيرية: استكشاف النفط وتطوير الخبرة المحلية المرتبطة به.
والمشروع يحمل بعدًا يتجاوز البحث عن اكتشاف تجاري. فالاتفاق يشمل نقل التكنولوجيا وتكوين الإطارات والعمال النيجريين في مهن المحروقات، بما يضع الخبرة التي راكمتها سوناطراك وإينافور داخل عملية بناء قدرات محلية في بلد يسعى إلى زيادة استفادته من موارده الطبيعية.
وفي هذا الجانب تحديدًا، تتقاطع المصالح الجزائرية والنيجرية بوضوح: النيجر يحتاج إلى الخبرة والتمويل والتكنولوجيا لتطوير موارده، بينما يمنح التوسع جنوب الحدود سوناطراك مساحة جديدة لتدويل نشاطها داخل منطقة جيولوجية متصلة بالمجال الصحراوي الذي تعمل فيه منذ عقود.
التعاون انتقل أيضًا إلى التجارة النفطية
ولم يتوقف التحرك عند الاستكشاف. ففي 16 أوت أعلنت سوناطراك عن أولى عمليات تسليم وقود الطائرات Jet A1 إلى النيجر في إطار عقد بيع وشراء مع «سونيداب»، بالتوازي مع توسيع التعاون بين الشركتين إلى مجال تسويق النفط الخام النيجري.
هذا التطور يضيف طبقة جديدة إلى العلاقة؛ فسوناطراك أصبحت حاضرة في النيجر في الاستكشاف والحفر ونقل الخبرة، ثم في تجارة المشتقات وتسويق الخام.
وبذلك يتحول التعاون الطاقوي من مشروع منفرد إلى سلسلة تشمل المنبع والخدمات النفطية والتكوين والتسويق والإمداد، وهو ما يفسر لماذا وضع الوزير الأول النيجري ملف الموارد الطبيعية في مقدمة المجالات التي أشاد فيها بالجزائر.
أنبوب الغاز يربط التعاون الثنائي بخريطة الطاقة الإفريقية
غير أن أكبر مشروع يجمع البلدين لا يزال أنبوب الغاز العابر للصحراء TSGP، الذي يربط نيجيريا بالجزائر مرورًا بالنيجر.
وفي 3 جوان 2026 صادقت الدول الثلاث في الجزائر على التقرير النهائي لدراسة الجدوى المحينة التي أعدها مكتب «Penspen»، قبل أن تنطلق في اليوم التالي، 4 جوان، الأشغال الرسمية للشطر الجزائري في أولف بولاية أدرار تنفيذًا لتوجيهات الرئيس تبون.
ويمتد المشروع على نحو 4,200 كيلومتر، بقطر 48 بوصة، مع قدرة أولية تقدر بنحو 20 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا وقابلية للارتفاع إلى قرابة 30 مليار متر مكعب وفق تطور المشروع والأسواق. ويمر الشطر الجزائري عبر ممر الطريق العابر للصحراء من الحدود مع النيجر وصولًا إلى مركز توزيع الغاز في حاسي الرمل، بما يسمح لاحقًا باستخدام الشبكات الجزائرية القائمة في المعالجة والنقل والتصدير نحو الأسواق الدولية.
وهذه الهندسة تجعل المشروع أكبر من أنبوب لنقل الغاز النيجيري إلى أوروبا؛ إذ يمنح النيجر نفسه موقع دولة عبور داخل ممر طاقوي قاري، مع ما يرتبط بذلك من بنية تحتية ونشاط اقتصادي وفرص لتزويد المناطق الواقعة على مساره بالطاقة.
ولهذا جاء ملف الأنبوب في صلب زيارة وزير الدولة، وزير المحروقات محمد عرقاب إلى نيامي يومي 21 و22 سبتمبر، أي قبل أيام فقط من خطاب زين في نيويورك. واستقبل الوزير الأول النيجري الوفد الجزائري لمراجعة تقدم المشاريع، وعلى رأسها TSGP، في وقت تعمل الأطراف على الانتقال في الشطر النيجري إلى الأعمال الطبوغرافية والدراسات البيئية والتقنية الضرورية للتنفيذ.
الأمن يدخل المعادلة نفسها
وفي خطابه بالأمم المتحدة، لم يفصل زين التعاون الاقتصادي عن الأمن، بل تحدث عن «الدعم المستمر» الذي تقدمه الجزائر للمنظومة الدفاعية لبلاده.
وقد ظهر هذا المسار علنًا خلال 2026؛ إذ أعلنت الحكومة النيجيرية في أوت أن الجزائر زودت النيجر بأربع مروحيات، اثنتين من طراز MI-171 واثنتين من MI-24، قبل أن تؤكد نيامي في سبتمبر أن أمن النيجر يمثل أولوية كبيرة بالنسبة إلى الجزائر وأن التعاون الدفاعي بين البلدين يشهد تعميقًا.
والربط بين الأمن والاقتصاد هنا ليس ثانويًا. فمشروعات النفط والطريق والغاز والمياه والتجارة تقع في منطقة الساحل التي تواجه نشاط جماعات مسلحة وشبكات تهريب ومخاطر عابرة للحدود، وبالتالي فإن استدامة الاستثمار نفسه تحتاج إلى حد أدنى من الاستقرار والقدرة على حماية المنشآت والممرات.
ومن هذه الزاوية، تبدو المقاربة الجزائرية تجاه النيجر قائمة على مسارين متوازيين: دعم قدرة الدولة على حماية مجالها، وفي الوقت نفسه زيادة حضور المشاريع الاقتصادية التي تمنح المناطق الحدودية والساحلية قيمة إنتاجية أكبر.
من «جار» إلى شريك في مشاريع السيادة
وتفسر هذه التطورات النبرة التي اختارها علي محمد لمين زين أمام الجمعية العامة.
فالوزير الأول النيجري لم يتحدث عن الجزائر بوصفها دولة تقدم مساعدة ظرفية، بل وصف علاقة تشمل الموارد الطبيعية والدفاع والصحة والتعليم والطاقة والمياه والزراعة، ثم ربطها بمشاريع قارية ضخمة تمتد آثارها إلى ما بعد العلاقات الثنائية.
ومن محطة كهرباء تعمل بالفعل في نيامي، إلى أربع آبار استكشافية في كفرا، إلى تجارة المحروقات والدعم الدفاعي وأنبوب الغاز والطريق العابر للصحراء، أصبحت المرافقة الجزائرية موزعة على قطاعات تمس مباشرة ما تسميه نيامي السيادة الطاقوية والأمنية والاقتصادية.
كما أن هذه المشاريع تعكس جانبًا من السياسة الإفريقية التي يدفع بها الرئيس عبد المجيد تبون، والقائمة على ربط التضامن السياسي بمشاريع قابلة للقياس في الطاقة والبنية التحتية والتنمية. ففي محطة نيامي، جاءت المبادرة بتوجيه رئاسي مباشر؛ وفي TSGP بدأت الأشغال الجزائرية تنفيذًا لتوجيهاته؛ وفي كفرا أوفد الوزير الأول للإشراف على إطلاق الحفر، بينما يستمر التنسيق السياسي على أعلى مستوى لتسريع المشاريع المشتركة.
ويمنح هذا التسلسل إشادة زين في نيويورك معناها الكامل. فالكلمات جاءت بعد أشهر من قرارات نفذت بالفعل، لا قبلها.
وبالنسبة إلى الجزائر، يتجاوز مردود هذه السياسة صورة التضامن مع بلد جار. فاستقرار النيجر يعني حدودًا جنوبية أكثر أمنًا، ونجاح كفرا يوسع المجال الخارجي لسوناطراك، وتشغيل TSGP يعزز موقع الجزائر كممر طاقوي بين إفريقيا والأسواق الدولية، بينما يدعم الطريق العابر للصحراء حركة التجارة والربط بين المتوسط والساحل.
أما بالنسبة إلى النيجر، فإن المرافقة الجزائرية توفر مزيجًا من الكهرباء والخبرة النفطية والتكوين والدعم الأمني والربط بمشاريع قارية تمنح بلدًا حبيسًا جغرافيًا منافذ أوسع نحو الشمال والأسواق الدولية.
ولهذا كان التعبير الذي استخدمه الوزير الأول النيجري أمام الأمم المتحدة أكثر قوة من إشادة بروتوكولية عادية. فالقول إن الجزائر «اختارت أن ترافق» النيجر يلخص علاقة انتقلت خلال 2026 من بيانات التضامن إلى محطة كهرباء تعمل، وحفارة تدور في أغاديز، ومعدات وخبرات تنتقل جنوبًا، وأنبوب غاز بدأ يخرج من دفاتر الدراسات إلى ورشات التنفيذ.
وهو تحول يمنح العلاقة الجزائرية-النيجرية وزنًا جديدًا داخل الساحل، ويجعل الجزائر بالنسبة إلى نيامي شريكًا حاضرًا في الملفات التي تعدها الأخيرة جزءًا من استعادة قدرتها على التحكم في الطاقة والموارد والأمن والتنمية

























