بوابة الجزائر الإخبارية: خرجت زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى فرنسا بصورة مختلفة بوضوح عن المشهد الذي حاول قصر الإليزيه بناءه حولها؛ فالكرسي الرسولي أبقى الرحلة في إطارها الرسولي، ولم يستجب للصيغة الأوسع التي كانت ستمنح إيمانويل ماكرون مأدبة دولة وتشريفات إضافية وحضورًا أكبر داخل المحطات الرمزية للزيارة، كما رفض الترتيب الذي كان سيسمح للرئيس الفرنسي بمرافقة البابا داخل نوتردام وتقديم ورشة إعادة إعمار الكاتدرائية بنفسه. والمفارقة أن هذا التضييق على المساحة السياسية لماكرون جاء بعد خمسة أشهر فقط من زيارة بابوية إلى الجزائر تحرك فيها ليو الرابع عشر بين مقام الشهيد وقصر المرادية وجامع الجزائر وعنابة، محمّلًا برنامجه بإشارات إلى الاستقلال والسيادة والمصالحة والعمق الحضاري للبلاد، من دون أن تحتاج الجزائر إلى توسيع البروتوكول أو إدخال رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في المحطات الدينية لصناعة صورة سياسية للزيارة.

وحسب البرنامج الرسمي للفاتيكان وبيان الرئاسة الفرنسية وما نشرته الصحافة الفرنسية قبل وصول البابا، كانت المسافة واضحة بين ما أراده الإليزيه وما قبل به الكرسي الرسولي. فالرئاسة الفرنسية كانت تتطلع إلى صيغة أوسع من الزيارة الرسولية، بينما استبعد الفاتيكان العناصر التي كانت ستمنح ماكرون الحضور البروتوكولي والإعلامي الأكبر، وأبقى على استقبال رسمي ولقاء مؤسسي في الإليزيه من دون تحويل الرحلة إلى زيارة دولة كاملة. كما أكدت «لوموند» أن المقترح الرئاسي الخاص بلحظة مشتركة داخل نوتردام لم يُقبل، بعدما كان ماكرون يريد أن يقدم بنفسه أعمال إعادة البناء والفرق التي شاركت في ترميم الكاتدرائية، فيما أشارت الصحيفة إلى أن الكرسي الرسولي كان حريصًا على ألا تكتسب المحطة طابعًا سياسيًا أكبر من طبيعة الرحلة نفسها.
وبذلك حصل الرئيس الفرنسي على الجزء المؤسسي الذي يفرضه موقعه كرئيس للدولة المضيفة، لكنه لم يحصل على امتداد هذا الحضور إلى قلب البرنامج الديني والشعبي. استقبل ماكرون البابا في الإليزيه يوم 25 سبتمبر، وعقد الجانبان محادثات تناولت العلاقات بين فرنسا والكرسي الرسولي والذكاء الاصطناعي والمناخ وأوكرانيا والشرق الأوسط والشراكات مع إفريقيا، قبل أن ينتقل ليو الرابع عشر إلى بقية برنامجه بعيدًا عن الرئاسة الفرنسية. وبيان الإليزيه نفسه لم يعلن عن اتفاق جديد أو مبادرة دبلوماسية كبرى خرجت من اللقاء، بل اكتفى بعرض الملفات التي نوقشت والتأكيد على الحوار التقليدي بين فرنسا والكرسي الرسولي.
هذا التفصيل يصبح أكثر دلالة عند تتبع ما جرى بعد مغادرة البابا القصر الرئاسي. فقد توجه ليو الرابع عشر إلى اليونسكو ثم إلى نوتردام، حيث شارك في صلاة الغروب من دون ماكرون، قبل الانتقال إلى البرنامج الجماهيري والديني الواسع للرحلة. وفي نوتردام تحديدًا، تحققت المفارقة التي حاول الإليزيه تجنبها؛ فالبابا دخل المعلم الذي يمثل أحد أكبر المشاريع الرمزية في عهد ماكرون، وتحدث عن الكنيسة وإعادة البناء ودورها الروحي والحضاري، لكن الرئيس لم يكن إلى جانبه في الجولة الخاصة التي كان يريد ترتيبها. ووفق «لوموند»، رفض الكرسي الرسولي منح الزيارة في الكاتدرائية طابعًا سياسيًا زائدًا، وهو ما أبقى إنجاز إعادة بناء نوتردام حاضرًا في الخطاب من دون أن يتحول إلى مشهد رئاسي مصمم حول ماكرون.
ويكشف ذلك أن الخلاف لم يكن مع فرنسا أو مع رمزية نوتردام نفسها، فالكرسي الرسولي أعطى الكاتدرائية مساحة مهمة في البرنامج، وإنما مع حدود الحضور الرئاسي داخل هذه المحطة. وقد وصف تقرير لـ«لوموند» العلاقة بين ماكرون والفاتيكان قبل الزيارة بأنها مثقلة بحساسية متراكمة ناجمة عن محاولات رئاسية متكررة لتقريب العلاقة مع البابوية، بعضها فُسر داخل دوائر كنسية باعتباره رغبة في الاستفادة السياسية من الرمزية البابوية. كما ذكرت الصحيفة أن ماكرون دعا البابا فرانسيس مرات عدة إلى باريس من دون أن تتحقق الزيارة التي كان يريدها، قبل أن يأتي ليو الرابع عشر إلى فرنسا في نهاية عهدته، ولكن ضمن الصيغة التي حددها الفاتيكان لا الصيغة الأوسع التي كان يفضلها الإليزيه.
ولم تنته صعوبة المشهد بالنسبة إلى ماكرون عند البروتوكول، لأن البابا حمل إلى داخل الإليزيه نفسه خطابًا يتقاطع مباشرة مع ملفات اجتماعية وأخلاقية شكلت جزءًا من سياسات العهدة الثانية للرئيس الفرنسي. فقد تحدث ليو الرابع عشر عن حماية الحياة ورفض إخضاع التقدم العلمي لمنطق المنفعة وحده، وتناول قضايا التلاعب الجيني وتأجير الأرحام والاتجار بالأعضاء والمساعدة على الموت، وهي ملفات يتباعد فيها موقف الكنيسة الكاثوليكية عن التوجهات التي شهدتها فرنسا في السنوات الأخيرة. كما قدم تصورًا للعلمانية يرفض تحويلها إلى وسيلة لإقصاء الدين من المجال العام، داعيًا إلى علاقة تقوم على الحوار بين الدولة والمؤسسات الدينية. ومن ثم، فإن اللقاء الذي كان يفترض أن يشكل المحطة السياسية المركزية للزيارة لم يمنح ماكرون غطاءً دينيًا لخياراته الداخلية، بل وضع بعض تلك الخيارات أمام اعتراض بابوي صريح من داخل قصر الرئاسة نفسه.
خمسة أشهر فقط بين صورتين مختلفتين
وتزداد دلالة ما حدث في باريس عندما يوضع إلى جانب الرحلة التي قام بها ليو الرابع عشر إلى الجزائر بين 13 و15 أفريل 2026 في مستهل جولته الإفريقية. فالبرنامج الذي نشره الفاتيكان بدأ بوصول البابا إلى الجزائر العاصمة ثم الانتقال مباشرة إلى مقام الشهيد، قبل زيارة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في قصر المرادية، ولقاء السلطات والمجتمع المدني والسلك الدبلوماسي في مركز المؤتمرات بجامع الجزائر، ثم زيارة الجامع، ومركز الراهبات الأوغسطينيات في باب الوادي وكنيسة السيدة الإفريقية، قبل الانتقال في اليوم التالي إلى عنابة لزيارة هيبون وكنيسة القديس أوغسطين.
هذه الهندسة أعطت للزيارة الجزائرية مضمونًا سياسيًا وتاريخيًا من دون الحاجة إلى إضافة طقوس بروتوكولية استثنائية. فاختيار مقام الشهيد في بداية البرنامج وضع الاستقلال والذاكرة الوطنية في مقدمة الصور التي حملها البابا معه من الجزائر، بينما حافظ استقبال الرئيس تبون على طبيعته المؤسسية، ثم انتقل البرنامج بعد ذلك بصورة طبيعية إلى البعد الديني والحضاري للبلاد. وبذلك ظهر رئيس الجمهورية في موقع الدولة التي تستقبل ضيفًا دوليًا رفيعًا، فيما تركت المحطات الدينية والثقافية للبابا وللمؤسسات المعنية بها، وهو ما سمح للزيارة بأن تحمل رمزية سياسية قوية من دون أن تبدو محاولة لانتزاع الصورة من صاحبها.
والفارق هنا ليس تفصيلًا بروتوكوليًا. في باريس، دار نقاش مسبق حول ما إذا كان ماكرون سيحضر داخل نوتردام وكيف يمكن أن يقدم للبابا أعمال إعادة الإعمار، وانتهى الأمر برفض الفاتيكان لهذا الترتيب. أما في الجزائر، فقد جاء جزء كبير من القيمة السياسية للزيارة من البرنامج الذي اعتمده الكرسي الرسولي نفسه، بداية من مقام الشهيد ووصولًا إلى جامع الجزائر وعنابة. ولذلك لم تكن الدولة الجزائرية بحاجة إلى مزاحمة الكنيسة على محطاتها الدينية، لأن السيادة والذاكرة والتاريخ كانت موجودة أصلًا في مسار الرحلة.
وتحمل محطة مقام الشهيد خصوصًا وزنًا يصعب تجاهله في المقارنة. فالكرسي الرسولي لم يضعها في البرنامج باعتبارها معلمًا سياحيًا، بل كمحطة رسمية في بداية الرحلة، ما أدخل ذاكرة حرب التحرير والاستقلال الجزائري إلى واحدة من أبرز الزيارات البابوية لعام 2026. ثم انتقلت الرسالة إلى جامع الجزائر، حيث ظهر البعد المتوسطي والإفريقي والحوار الإسلامي–المسيحي، قبل أن تضيف عنابة والقديس أوغسطين عمقًا تاريخيًا يتجاوز الحدود الوطنية للجزائر إلى تاريخ المسيحية نفسها في شمال إفريقيا.
وهكذا قدمت الجزائر للزيارة عناصر رمزية لا يمكن تصنيعها بمأدبة أو وسام؛ فالبلاد وضعت أمام البابا تاريخها المعاصر في مقام الشهيد، وثقلها الديني والحضاري في جامع الجزائر، وعمقها الأوغسطيني في عنابة، بينما بقي الرئيس تبون في موقعه الدستوري داخل هذا البناء من دون أن يحتاج إلى توسيع حضوره ليصبح جزءًا من كل صورة.
في باريس.. الفاتيكان يفصل بين فرنسا وماكرون
وهذه نقطة أساسية لفهم زيارة فرنسا من دون الخلط بين الموقف من البلاد والموقف من إدارة الإليزيه للزيارة. فقد أشاد ليو الرابع عشر بفرنسا وبتراثها وبما تحقق في إعادة بناء نوتردام، ولم تحمل رحلته موقفًا عدائيًا من الدولة الفرنسية أو مجتمعها، لكن الفاتيكان فصل بوضوح بين تقدير فرنسا وبين السماح للرئيس بتحويل الزيارة إلى مناسبة سياسية شخصية. وهذا الفصل هو الذي يفسر قبول اللقاء الرسمي مع ماكرون ورفض توسيعه إلى مأدبة دولة أو جولة خاصة في نوتردام.
والنتيجة أن فرنسا حصلت على زيارة بابوية كبيرة، فيما بقي مردودها السياسي على ماكرون محدودًا بالجزء الرسمي. فعندما بدأت المحطات التي صنعت الزخم الديني والشعبي للرحلة، كان الرئيس خارج الصورة الأساسية، بينما تحرك البابا أمام جمهوره وبرنامجه المستقل. وحتى داخل الإليزيه لم يأت الخطاب البابوي خاليًا من التمايزات، بل حمل مواقف واضحة في ملفات اصطدمت فيها الكنيسة مع خيارات سياسية تبنتها فرنسا خلال عهد ماكرون.
أما الجزائر، فقد دخلت المقارنة من موقع مختلف تمامًا. فالزيارة البابوية لم تكن بحاجة إلى هندسة صورة مصطنعة كي تمنح الدولة حضورًا قويًا، لأن رمزية الدولة سبقت البروتوكول نفسه. مقام الشهيد لم يكن يحتاج إلى وجود تبون بجانب البابا حتى يحمل معنى السيادة والاستقلال، وجامع الجزائر لم يكن يحتاج إلى تحويله إلى منصة رئاسية كي يعكس مكانة البلاد في الحوار الديني والمتوسطي، وعنابة لم تكن تحتاج إلى أي إضافة سياسية كي تستعيد موقع الجزائر في التاريخ الأوغسطيني.
وبذلك، تظهر قوة الاستقبال الجزائري في أن مؤسسات الدولة والتاريخ والجغرافيا هي التي حملت الرسالة، لا عدد دقائق ظهور الرئيس إلى جانب الضيف.
الجزائر لم تنازع البابا على المشهد.. فخرجت بصورة أقوى
وإذا كانت باريس قد كشفت عن حدود رغبة ماكرون في توسيع الاستفادة السياسية من الزيارة، فإن الجزائر قدمت نموذجًا معاكسًا يقوم على ترك كل مؤسسة داخل موقعها. الرئيس تبون استقبل البابا بصفته رئيس الجمهورية، والدولة وضعت أمامه ذاكرة البلاد وسيادتها، فيما حافظت الكنيسة على برنامجها الديني، ولم تظهر أزمة علنية حول من يدخل إلى الكنيسة ومن يرافق البابا ومن يظهر بجانبه في المحطات الروحية.
وهذا التوازن هو الذي منح المحطة الجزائرية وزنًا خاصًا. فالرمزية لم تُفرض على الزيارة من الخارج، بل خرجت من المكان نفسه، من ذاكرة الاستقلال ومن موقع الجزائر بين إفريقيا والمتوسط ومن تاريخ القديس أوغسطين ومن حضور الإسلام والمسيحية داخل البلد. ولذلك استطاعت الزيارة أن تقدم الجزائر كدولة ذات سيادة وتاريخ وحضور إقليمي من دون أن تنزلق إلى استعراض رئاسي.
وفي فرنسا، كانت المشكلة على العكس من ذلك: الإليزيه حاول توسيع مساحة الرئيس داخل زيارة حدد الفاتيكان منذ البداية طبيعتها الرسولية، فوجد نفسه أمام حدود واضحة. قبول البابا السفر إلى باريس لم يعنِ قبول كل ما اقترحته الرئاسة، والاحتفاء بفرنسا لم يتحول إلى دعم لسياسات ماكرون، وزيارة نوتردام لم تتحول إلى صورة مشتركة داخل الكاتدرائية، فيما بقيت الخطابات البابوية مستقلة حتى عندما حملت مواقف لا تنسجم مع توجهات الحكومة الفرنسية.
ومن هنا تكتسب المقارنة الجزائرية وزنها الحقيقي. فهي ليست مقارنة بين بلدين على أساس عدد التشريفات، وإنما بين طريقتين في استقبال زيارة دينية ذات ثقل سياسي عالمي. الجزائر وضعت أمام البابا مؤسساتها وذاكرتها وتاريخها ثم تركت للزيارة أن تنتج معناها بنفسها، بينما حاول الإليزيه زيادة الحضور الشخصي لماكرون داخل برنامج اختار الكرسي الرسولي إبقاءه مستقلًا، وانتهى إلى التخلي عن عدد من العناصر التي كان الرئيس يريدها.
وفي النهاية، لم يخرج ماكرون من الزيارة بلا لقاء أو بلا استقبال رسمي، لكن المسافة بين ما كان يمكن أن يمنحه زيارة دولة وما حصل عليه ضمن زيارة رسولية بقيت واضحة. لم تكن هناك مأدبة دولة، ولم تتحقق الجولة الخاصة داخل نوتردام، ولم تتحول المحطات الشعبية والدينية الكبرى إلى صور مشتركة مع الرئيس، ولم يخرج اللقاء الرئاسي بمبادرة دولية استثنائية، بينما استخدم البابا وجوده في الإليزيه لطرح رؤيته الخاصة في قضايا حساسة داخل فرنسا.
وفي المقابل، خرجت الجزائر من زيارتها السابقة بصورة أكثر اتساقًا مع ما تريد أن تقدمه عن نفسها: دولة تحضر بسيادتها ولا تحتاج إلى افتعالها، وتستدعي تاريخ التحرير في مقام الشهيد، وتقدم جامع الجزائر باعتباره فضاءً للحوار، وتستعيد من عنابة جزءًا من التاريخ المسيحي العالمي، فيما بقي رئيس الجمهورية حاضرًا حيث يقتضي موقع الدولة حضوره من دون محاولة تحويل الزيارة البابوية إلى امتداد لصورة الرئاسة.
وهنا يكمن الفارق الأبرز بين المحطتين: ماكرون حاول توسيع هامشه داخل زيارة البابا فحصره الفاتيكان في الإطار الرسمي، بينما لم تحتج الجزائر إلى المطالبة بهامش إضافي لأن ثقل الدولة والذاكرة والتاريخ كان حاضرًا في البرنامج نفسه.

































