بوابة الجزائر الاخبارية : في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها العالم، وتزايد التحديات المرتبطة بالأمن والسلم الدوليين، يعود ملف إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى واجهة النقاش الدبلوماسي، باعتباره أحد أبرز الملفات التي تعكس الاختلالات القائمة في منظومة الحوكمة العالمية، خاصة فيما يتعلق بتمثيل القارة الإفريقية داخل المؤسسات الدولية ومشاركتها في صناعة القرارات المصيرية المرتبطة بالأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، تبرز مشاركة الجزائر في أشغال الاجتماع الوزاري الرابع عشر للجنة العشرة لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الإفريقي المعنية بإصلاح مجلس الأمن، المنعقد بالعاصمة الليبية طرابلس يومي 10 و11 أكتوبر 2026، باعتبارها محطة دبلوماسية مهمة لتجديد التأكيد على الموقف الإفريقي المشترك، والدفع نحو معالجة ما تعتبره دول القارة ظلماً تاريخياً في تركيبة مجلس الأمن، في ظل غياب أي تمثيل إفريقي دائم داخل هذه الهيئة الأممية، رغم أن القارة تضم 54 دولة وتشكل قضايا السلم والأمن فيها جزءاً مهماً من جدول أعمال المجلس.
وتأتي مشاركة وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، بتكليف من رئيس الجمهورية، في إطار مواصلة الجزائر انخراطها في الجهود الإفريقية الرامية إلى إصلاح منظومة العمل متعدد الأطراف، والدفاع عن ضرورة إرساء نظام دولي أكثر تمثيلاً وتوازناً، يمنح القارة الإفريقية مكانتها في صياغة القرارات الدولية، بدلاً من الاقتصار على التعامل معها باعتبارها مجالاً لتطبيق تلك القرارات.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة بالنظر إلى تمسك الاتحاد الإفريقي بموقفه الموحد، المستند إلى توافق إزولويني وإعلان سرت، والذي يطالب بمنح إفريقيا مقعدين دائمين في مجلس الأمن، بكامل الامتيازات المرتبطة بالعضوية الدائمة، بما فيها حق النقض ما دام قائماً، إلى جانب خمسة مقاعد غير دائمة، بما يضمن تصحيح الاختلالات التاريخية في تمثيل القارة داخل المجلس.
غير أن تحقيق هذه المطالب يظل مرتبطاً بتعقيدات التفاوض الدولي، وتباين مواقف القوى الكبرى بشأن توسيع العضوية الدائمة، وإصلاح آليات اتخاذ القرار، ومستقبل حق النقض، وهو ما يجعل من تنسيق المواقف الإفريقية وتعزيز وحدة الصف الدبلوماسي شرطاً أساسياً لرفع القدرة التفاوضية للقارة داخل الأمم المتحدة.
كما يحمل انعقاد هذا الاجتماع في طرابلس دلالات سياسية ودبلوماسية، بالنظر إلى أهمية تعزيز التنسيق الإفريقي في مرحلة تواجه فيها القارة تحديات أمنية وسياسية متشابكة، من النزاعات المسلحة والإرهاب إلى التدخلات الخارجية والأزمات الإنسانية، الأمر الذي يعيد طرح إشكالية التفاوت بين حجم القضايا الإفريقية المطروحة أمام مجلس الأمن ومستوى مشاركة الدول الإفريقية في اتخاذ القرارات المتعلقة بها.
ومن هذا المنطلق، تطرح مشاركة الجزائر تساؤلات جوهرية حول قدرتها، بالتنسيق مع شركائها الأفارقة، على المساهمة في تحويل المطالب التاريخية للقارة إلى مكاسب مؤسساتية ملموسة، وحول الآليات الدبلوماسية التي يمكن اعتمادها لتقريب المواقف الدولية من الرؤية الإفريقية المشتركة لإصلاح مجلس الأمن.
في ظل تمسك القوى الكبرى بامتيازاتها داخل مجلس الأمن، واستمرار الخلافات الدولية بشأن توسيع العضوية الدائمة وحق النقض، ما الأوراق السياسية والدبلوماسية التي تمتلكها الدول الإفريقية لتحويل مطالب إصلاح المجلس من مجرد توافقات ومواقف مشتركة إلى إصلاحات فعلية، وهل يمكن أن يشكل اجتماع طرابلس محطة جديدة لتقوية الوزن التفاوضي لإفريقيا داخل منظومة الحوكمة العالمية؟
ضرورة الإصلاح والتوافق الإفريقي: قراءة في رؤية المستشار السياسي أشرف الثلثي

يرى المستشار السياسي في ليبيا لـ “بوابة الجزائر”، أشرف الثلثي، أن المساعي الإفريقية لإصلاح منظومة الحوكمة الدولية تتجاوز حدود المطالبات الإقليمية التقليدية، لتصبح دعامة أساسية لإعادة التوازن والعدالة للغلاف السياسي والأمني الدولي. وفي هذا الإطار، يؤكد الثلثي أن التكاتف الإفريقي الموحد يضع اليد على مكامن القوة والتحدي في آن واحد، متخذاً من محطة طرابلس فرصة فارقة لإعادة صياغة الدور الإقليمي والدولي للقارة ومؤسساتها الرسمية.
وينطلق المستشار أشرف الثلثي في تحليله من واقع أن إصلاح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد تجاوز كونه مجرد مطلب إقليمي فئوي، ليتحول إلى ضرورة حاكمة فرضتها التحولات الجيوسياسية الراهنة لتحقيق العدالة والتوازن. إذ يُشدد الثلثي على أنه من غير المقبول استمرار تهميش قارة بأكملها تضم أربعاً وخمسين دولة عضو في المنظمة الدولية، وتستأثر بالحجم الأكبر من الأزمات والتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية المعروضة على جدول أعمال مجلس الأمن، دون أن تُمنح تمثيلاً دائماً يتيح لها المشاركة الأصيلة في صناعة القرار داخل الهيئة الأممية الأولى المسؤولة عن حفظ السلم والأمن الدوليين.
وفي هذا السياق، يوضح المستشار السياسي أن محطة طرابلس تكتسب دلالات استراتيجية مضاعفة؛ فهي لا تقتصر على توفير المنبر المناسب لتوحيد الموقف الإفريقي وتعزيز قدراته التفاوضية أمام القوى العظمى فحسب، بل تُشكل أيضاً -حسب الثلثي- خطوة عملية حاسمة لنفض غبار الأزمات عن ليبيا واستعادة دورها التاريخي كجسر محوري للتواصل والتعاون والتنسيق بين بلدان القارة وشركائها الدوليين. وينبه الثلثي إلى أن تحويل هذه التوافقات الإفريقية والتطلعات التاريخية إلى مكاسب ملموسة يتطلب بالضرورة صياغة تحرك دبلوماسي منظم ومتكامل، يستند إلى صلب وحدة الموقف الداخلي وبناء التحالفات العابرة للقارات مع المجموعات الإقليمية الأخرى، وصولاً إلى هيكلة دولية جديدة تضمن مشاركة إفريقيا الفاعلة في صياغة النظام العالمي الجديد.
ويختتم المستشار أشرف الثلثي رؤيته بالحديث عن القوة الحقيقية لإفريقيا، مشيراً إلى أنها تتجلى في قدرتها على بلورة صف موحد ومصالح مشتركة غير قابلة للتجزئة؛ حيث يؤكد الثلثي أن الدور الليبي المتجدد يستطيع، بالتكامل مع القوى الإقليمية الفاعلة، أن يشكل جزءاً محورياً من هذا المسار الدبلوماسي العريض بما يعزز الاستقرار التنموي والأمني، ويخدم تطلعات الشعوب الإفريقية ومستقبلها المستدام.
أبعاد الدعم الجزائري ودلالات استضافة طرابلس لاجتماع لجنة العشرة الإفريقية
في تصريح خاص لـ “بوابة الجزائر”، أكد نائب رئيس حزب ليبيا الأمة بطرابلس، أحمد دوغة، أن مشاركة الجزائر -ممثلة بوزير الخارجية أحمد عطاف- في الاجتماع الوزاري الرابع عشر للجنة العشرة (C-10) المنعقد بالعاصمة الليبية طرابلس يومي 10 و11 أكتوبر 2026، تُعبر عن تحرك استراتيجي يخدم ملف إصلاح منظومة الحوكمة العالمية، ويحمل رسائل سياسية ودبلوماسية متعددة الأبعاد.

وأوضح دوغة أن المساهمة الجزائرية تبرز في تعزيز العمل الإفريقي المشترك من بوابة طرابلس لتحويل المطالبات التاريخية للقارة إلى أوراق ضغط ملموسة. ويرى نائب رئيس حزب ليبيا الأمة أن الجزائر تسخر وجودها الحالي كعضو غير دائم بمجلس الأمن الدولي لترجمة قرارات لجنة العشرة وتوصيات “توافق إزولويني” إلى مبادرات ومشاورات داخل أروقة الأمم المتحدة، بما يمنح الصوت الإفريقي قنوات تنفيذية مباشرة. كما أشار المصرح إلى أن الجزائر تعمل بالتنسيق مع الشركاء الأفارقة للانتقال من التنديد إلى التفاوض الجماعي الهجومي عبر صياغة خريطة طريق موحدة ترفض أي تعديلات جزئية في الميثاق الأممي لا تضمن للقارة مقعديها الدائمين بكامل الامتيازات (بما فيها حق النقض) وخمسة مقاعد غير دائمة. وفي هذا السياق، شدد أحمد دوغة على أن الجزائر تؤكد من خلال هذا المحفل على أن استمرار عجز مجلس الأمن عن حل النزاعات المستعصية في إفريقيا ناتج أساساً عن غياب التمثيل الدائم والفاعل للبلدان الإفريقية في صياغة قرارات السلم والأمن.
وعلى صعيد متصل، تطرق أحمد دوغة إلى الدلالات السياسية والدبلوماسية لاحتضان العاصمة الليبية طرابلس لهذا الاجتماع رفيع المستوى، مؤكداً أن انعقاده يُعد إشعاراً بعملية إعادة دمج ليبيا في المحيط الإفريقي والدبلوماسية الدولية، واستعادة طرابلس لمكانتها كركيزة أساسية ومحور فاعل في احتضان الملفات السياسية الكبرى للقارة. ولفت نائب رئيس حزب ليبيا الأمة إلى أن إقامة الاجتماع في طرابلس تجسد عملياً مبدأ “الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية”، وتكسر الصورة النمطية السابقة لتعكس ثقة التكتل الإفريقي في المؤسسات الليبية وتأكيد أن الاستقرار والتوافق السياسي يتأتيان عبر التعاون والتضامن الإقليمي البيني. واختتم دوغة تصريحه بالإشارة إلى أن المشاركة الجزائرية تجسد عمق التضامن الجزائري-الليبي والإقليمي، حرصاً على دعم مؤسسات الدولة الليبية وتوفير بيئة إقليمية حاضنة لاستقرارها عبر ربط الملفات الوطنية بالعمل الدبلوماسي الجماعي للقارة الإفريقية.
















