بوابة الجزائر الإخبارية: يأتي البيان الصحفي الصادر بمناسبة مشاركة الجزائر في أشغال الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بالعاصمة العراقية بغداد، ليعكس محطات أساسية ومبادئ ثابتة في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية. فقد حرص كاتب الدولة، السيد سفيان شايب، على التشديد على دقة الظرف الدولي والإقليمي الراهن، داعيًا إلى الانتقال من أطر التنسيق التقليدية إلى استجابات جماعية فاعلة ترتكز على مبادئ القانون الدولي، احترام سيادة الدول، والتسوية السلمية للنزاعات.كما يبرز النص الالتزام التاريخي والمبدئي للجزائر تجاه القضية الفلسطينية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، لاسيما حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، مع التركيز على اتخاذ خطوات عملية لوقف الانتهاكات في القدس والتخفيف من الكارثة الإنسانية في قطاع غزة. وفي الموازاة مع ذلك، عكس البيان رؤية شاملة تجمع بين مواجهة التحديات الفكرية والأمنية (كالإسلاموفوبيا وخطاب الكراهية والتضامن مع الدول الشقيقة كالسودان والسعودية)، وبين تفعيل التعاون الاقتصادي والتنموي المُتوج بـ “إعلان بغداد” كمدخل لإصلاح المنظمة وتأكيد فاعليتها.
وفي تصريحات خاصة لـ “بوابة الجزائر”، قدم الكاتب والباحث السياسي في الشأن الدولي، الأستاذ أحمد عرابي، قراءة تحليليّة مفصّلة تناولت كيفية تحويل مخرجات “إعلان بغداد” والدعوة الجزائرية للعمل الجماعي إلى أفعال ملموسة، فضلاً عن رسم معالم خريطة طريق مؤسساتية واقتصادية شاملة لإصلاح المنظمة وتفعيل دورها الإقليمي والدولي.
الترجمة العملية لـ “إعلان بغداد” ودعم الحقوق الفلسطينية

يرى الباحث السياسي أحمد عرابي أن القضية الفلسطينية والقدس الشريف فرضت نفسها على رأس أصل جدول أعمال دورة بغداد؛ حيث شدد عرابي على أن المرحلة الراهنة تقتضي الانتقال العاجل من مجرد تثبيت المقررات إلى ترجمة مخرجات “إعلان بغداد” والدعوة الجزائرية للعمل الجماعي إلى خطوات عملية وموحدة. وأوضح عرابي أن هذه الخطوات يجب أن تركز بالأساس على حماية الوضع التاريخي والقانوني لمدينة القدس الشريف، والتصدي الحازم للممارسات غير المشروعة التي تنتهجها سلطات الاحتلال، إلى جانب تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية والتكفل بالأوضاع الكارثية، والبدء في عمليات إعادة الإعمار، مع الرفض القاطع لمخططات التهجير والاستيطان والضم.
وفي هذا الصدد، يؤكد أحمد عرابي أن الموقف الإسلامي الثابت يجب أن يترجم من خلال دعم حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة وعلى رأسها حقه الأصيل في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشريف، مع تقديم دعم لامحدود لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). ويفصّل عرابي في طرحه بالإشارة إلى أن بلورة موقف إسلامي موحد واتخاذ إجراءات تنفيذية حاسمة هما السبيل الوحيد للتصدي للمخاطر التي تهدد مدينة القدس، وللدفع نحو إيجاد حلول سلمية مستدامة وشاملة تنهي حالة عدم الاستقرار وتكفل حقوق الشعوب في المنطقة بأكملها.
الإصلاح المؤسساتي والمالي لمنظمة التعاون الإسلامي
وعلى الصعيد المؤسساتي، يشدد الباحث أحمد عرابي على أن إصلاح منظمة التعاون الإسلامي لم يعد خياراً ثانوياً، بل أضحى ضرورة استراتيجية ملحة ترتبط بالأساس بمدى توفر الإرادة السياسية لدى الدول الأعضاء.
ويقترح عرابي اعتماد مقاربة تتجاوز الخلافات وتركز على القواسم المشتركة من خلال المصارحة والشفافية، موازاة مع إجراء مراجعة شاملة للهيكل التنظيمي للمنظمة؛ تشمل تطوير آليات التصويت والتنسيق في المحافل والمنتديات الدولية، وإعادة تحديد وظائف ودور البعثات والمكاتب التابعة للمنظمة، ووضع خطوط توجيهية حازمة لتقديم القرارات واعتمادها وترشيدها وتنفيذها، مع تأسيس أجهزة ولجان جديدة وتعزيز قدرات اللجان القائمة.
كما يتطرق أحمد عرابي بالتحليل إلى ملف الإصلاح المالي والإداري داخل المنظمة، مؤكداً على ضرورة تحسين الأوضاع المالية للأمانة العامة وللأجهزة المتفرعة عنها، وعقد مراجعة دقيقة للمساهمات المالية الإلزامية للدول الأعضاء للارتقاء بها وفق المعايير والمؤشرات الدولية المعتمَدة.
ويدعو عرابي في الوقت ذاته إلى ابتكار آلية مرنة لتسوية متأخرات الدول الأعضاء وتعزيز الشفافية والمساءلة المالية، بالإضافة إلى تحديث اللوائح والقواعد الوظيفية، وتنظيم العلاقة وتنسيقها بين الأمانة العامة وباقي مؤسسات المنظمة لمتابعة تنفيذ القرارات الصادرة.
فض النزاعات وتحديث آليات اتخاذ القرار بالمنظمة
وفي سياق تعزيز فاعلية المنظمة، يبرز عرابي أهمية فض الاشتباك في الصلاحيات والاختصاصات بين مختلف الأجهزة لضمان التكاملية والعمل بفاعلية أكبر، داعياً إلى تعظيم دور المنظمة في مجال فض المنازعات التي تنشأ بين الدول الأعضاء أنفسهم أو بينها وبين أطراف خارجية، مما يعزز مكانتها كفاعل دولي وإقليمي موثوق.
ويضيف الباحث السياسي أحمد عرابي في هذا الإطار أهمية إجراء دراسة تقييمية شاملة للأنشطة والمساهمات المالية الموجهة للصناديق الخاصة بدعم فلسطين لضمان نجاعتها ووصولها إلى غاياتها الاستراتيجية.
ويختتم الباحث أحمد عرابي تصريحاته بالإشارة إلى أهمية تحرير وتحديد المفاهيم الضابطة لآليات العمل داخل المنظمة، وفي مقدمتها مفهوما “التوافق” و”الأغلبية” في اتخاذ القرارات؛ موضحاً أن ضبابية هذه المفاهيم قد تعطيل العمل الجماعي. ويشدد عرابي على أن الهدف النهائي لجميع هذه الإصلاحات هو إيجاد آلية تنفيذية وصارمة تكفل متابعة وتطبيق القرارات الوزارية المستدامة، والانتقال بالتوصيات والقرارات الرسمية إلى شراكات عمل واقعية تُعزز صمود الدول الأعضاء وتدعم الاستقرار الإقليمي.


























