الإثنين, 26 أكتوبر 2026 • 10:24 بتوقيت الجزائر
بوابة الجزائر
غرفة الأخبار
اضطرابات مرتقبة في خدمة الإنترنت بالجزائر لهذا السبب! الجزائر تقطع الطريق أمام دعاة الانقسام في الساحل وزراء خارجية الجزائر ومصر وتونس يشددون على ضرورة انسحاب المرتزقة والمقاتلين الأجانب والقوات الأجنبية من كامل التراب الليبي ‬ مفتي ليبيا يكشف المستور ..”ولد حفتر وكيل إسرائيل ” في شمال أفريقيا! هكذا علقت كبرى وسائل الإعلام العالمية على منح البرلمان الجزائري الضوء الأخضر للرئيس تبون بإرسال وحدات من الجيش إلى النيجر! اعتراف عربي بكنوز الجزائر التاريخية.. 3 مدن عتيقة تدخل سجل التراث المعماري ضبط السوق وحماية القدرة الشرائية على طاولة الحكومة الجزائرية ! البرلمان الجزائري يمنح تفويضا للرئيس تبون بإرسال وحدات من الجيش الجزائري إلى النيجر! هكذا تفاعل الرئيس الجزائري مع الإنجاز التاريخي لكيليا نمور هذا عدد النساء القاضيات في الجزائر!
شارك المقال

الجزائر تقطع الطريق أمام دعاة الانقسام في الساحل

• الكاتب(ة): خطاب ربيعة • 0 تعليق • 16 مشاهدة
الجزائر تقطع الطريق أمام دعاة الانقسام في الساحل

مقال رأي بقلم الكاتب إسماعيل مليلي

بوابة الجزائر الإخبارية : لقد شكلت موافقة مجلس الأمة الجزائري الأحد 25 أكتوبر 2026 على نشر مفرزة عسكرية في النيجر منعطفا تاريخيا في مسار السياسة الخارجية الجزائرية، فمنذ حرب أكتوبر 1973، ظلت الجزائر تلتزم بمبدأ عدم التدخل العسكري في الخارج، ليأتي هذا القرار في وقت تعجّ فيه المنطقة بسياسات الضرب تحت الحزام، فاتحا الباب أمام قراءات متعددة لدوافع هذه الخطوة وتداعياتها التي تتجاوز حدود النيجر، لتلامس خارطة النفوذ في الساحل والصحراء، والتنافس المحتدم بين القوى الإقليمية على المنطقة.تقدم الجزائر للرأي العام إطارا واضحا للمهمة، وهو حماية منشآت ومشاريع شركة سوناطراك للطاقة في النيجر، بناءً على طلب رسمي من السلطات النيجيرية، وتؤكد أن هذا الانتشار ليس تدخلا عسكريا، بل هو مهمة دفاعية لحماية أصول اقتصادية حيوية تهم البلدين، وقد سبق هذا القرار خطوة أولى في أغسطس الماضي، عندما أرسلت الجزائر أربع طائرات مقاتلة من طراز سوخوي سو-30 إلى نيامي عقب محاولة التمرد، في إشارة مبكرة إلى أن المسار الحالي يأتي كامتداد منطقي لتطورات أمنية استدعت تعزيز التعاون الثنائي.المشروع محل الاهتمام هو أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي سينقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر، وصولا إلى أسواق أوروبا، بطاقة تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويا، ويمتد على مساحة 4100 كيلومتر، أحد أكبر المشاريع الاستراتيجية التي تعول عليها الجزائر لترسيخ حضورها كبوابة طاقوية لإفريقيا نحو المتوسط، وما التواجود العسكري إلا ضمانة لأمن هذا الممر الحيوي قبل اكتمال تنفيذه، في مرحلة قد تتعرض فيها المسارات البرية لاضطرابات تهدد استثمارات بمليارات الدولارات.

إن هذا القرار التاريخي يمثل نقطة تحول جوهرية في الفكر الأمني الجزائري، الانتقال من سياسة الدفاع عند الحدود إلى نقل أي توتر مرتقب خارج الحدود، ووأد أي فتنة في مهدها، ففي الوقت الذي تشهد فيه منطقة الساحل تمددا ملحوظا للجماعات المسلحة مع انسحاب القوى الغربية، ترى الجزائر أن أمنها الاستراتيجي مهدد جنوب حدودها، يقول الباحث في الدراسات الإقليمية مصطفى كمال دماني: بحكم الارتباط الجغرافي، والتداخل بين الأمن القومي الجزائري ونظيره في الساحل، وبحكم التحولات الجيوسياسية التي فرضها الانسحاب الفرنسي، أصبح الساحل منطقة رخوة في العمق الاستراتيجي الوطني، وبيئة للتنافس بين مختلف القوى الإقليمية.

ويرى رئيس جامعة العلوم السياسية بتلمسان عبد الله تلي، أن التنسيق الجزائري النيجيري يمثل ضرورة لضبط التوازنات الإقليمية، وسد الفراغ الأمني الذي برز مع تراجع الوجود الخارجي.

وفي السياق ذاته، يشير تقرير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IRIS) إلى أن هذا التحرك يمثل كسرا تاريخيا لعقيدة عدم التدخل التي حكمت السياسة الجزائرية منذ الاستقلال، ويفتح مرحلة جديدة من التفاعل النشط مع محيطها الجنوبي.يأتي قرار النشر العسكري ليقطع الطريق أمام أي محاولة لزعزعة استقرار النيجر، في هذه المرحلة الحساسة جدا، فقد كشفت تقارير أن محاولة الانقلاب في نيامي أغسطس 2026 استهدفت على وجه التحديد التقارب الجزائري النيجيري، واتهمت جهات خارجية، يُرجح ارتباطها بأبوظبي، دعم أطراف معارضة للتحالف القائم، وتنقل مجلة أفريكا إنتلجنس، أن قيادات معارضة مسلحة سعت للحصول على دعم من أبوظبي وبنغازي، في محاولة واضحة لنسج تحالفات مناوئة للنفوذ الجزائري المتنامي في المنطقة. إن ما تفعله الجزائر إذا يتجاوز مجرد حماية أنابيب الغاز؛ إلى منع أي طرف خارجي من تقسيم الساحل، واستخدامه منصة للنفوذ، فالنيجر المستقرة الآن، هي حاجز منيع أمام المشاريع العابرة للهوية التي تسعى دول بعينها على رأسها الإمارات، لتمويلها وتسليح أطرافها لفرض واقع جديد يخدم مصالحها على حساب استقرار المنطقة بأسرها.

الجزائر تقف اليوم حجر عثرة في طريق كل من يظن أن الساحل والصحراء ساحة مفتوحة للتقسيم، أو ميدانا رخوا يُعاد تشكيله من العواصم البعيدة، لن تسمح الجزائر بأن تُعالج مشاريع النفوذ على حساب استقرار الشعوب، ولن تقبل بأن تُستخدم دول الجوار منصات لزعزعة الأمن أو بث الفوضى، فالجزائر هي قوة إقليمية لا تقاس قيمتها الدولية بما تملك من ثروات فحسب، بل بما تملك أيضا من إرادة حازمة تقول كلمتها وتُنفذها، فنَفَقُ التقسيم الذي سعى البعض لإدخال المنطقة فيه، لن يُفتح مادامت الجزائر ضامنا لأمن المنطقة، وسيكون جيشها السد الذي يمنع هذا الانهيار، تعول الجزائر على وعي شعبها أمام خطر التقسيم الذي تقوده أبوظبي أولا، ثم صلابة جيشها وعتادها الحربي ثانيا.

مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر

#الجزائر،#النيجر،
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الشرق الأوسط
شارك المقال

خريف حفتر : من بيان التجميد إلى التقاعد الإجباري في قصور دبي!

خريف حفتر : من بيان التجميد إلى التقاعد الإجباري في قصور دبي!

مقال رأي بقلم الكاتبة والباحثة الليبية آمنة الفرجاني

بوابة الجزائر الإخبارية : لم تكن مغادرة خليفة حفتر للمشهد السياسي والعسكري مجرد انسحاب طبيعي فرضته سنين العمر، بل إعلاناً عن انكسار مشروع فرضه الاتفاق العسكري المبرم. يطوي الرجل اليوم حقائبه متوجهاً برفقة زوجته رانيا حنيش إلى منفاه الأخير في ضاحية “تلال الإمارات” بمدينة دبي، ليتبدل صخب السلاح بهدوء الفيلات الفارهة، بعد أن وافق على مقترح ظل يرفضه لسنوات، بحثاً عن أمن شخصي ورعاية صحية تبعده عن أعين المنتقمين، ومخلفاً وراءه بلاداً أثقلتها الحروب.

خريف حفتر : من بيان التجميد إلى التقاعد الإجباري في قصور دبي!
الكاتبة والباحثة الليبية آمنة الفرجاني

هذا الخروج العاجل جاء مدفوعاً بصيغة الاتفاق العسكري الأخير بين الشرق والغرب، والذي قضى صراحة بإنهاء صفة القائد العام وتصفية القيادة العامة” بشكلها الحالي.

لقد أزاح الاتفاق الجيل القديم ليستبدله بمجلس قيادة عسكري جديد يتشارك رئاسته نجله الأصغر، صدام حفتر، مع عبد السلام الزوبي بتمثيل متساوٍ بين الأقاليم، وهو الترتيب الذي جرد المشير من أدوات القوة، ودفع به خارج الحسابات الميدانية تماماً، ليتنحى تاركاً الساحة

خريف حفتر : من بيان التجميد إلى التقاعد الإجباري في قصور دبي!

ويرتبط هذا المشهد الختامي بروابط وثيقة مع البدايات؛ فقبل نحو 12 عاماً، وتحديداً في فبراير 2014، أعلن حفتر في بيان متلفز تجميد الإعلان الدستوري وحل المؤتمر الوطني، في خطوة ارتجالية دشنت لسنوات من النزاع الدموي. ومنذ ذلك الإعلان، انزلقت البلاد في أتون حروب مدمرة وحصارات للمدن كلفت الليبيين آلاف الأرواح والبنى التحتية، من بنغازي ودرنة وصولاً إلى الهجوم على العاصمة طرابلس عام 2019، وهي المغامرات التي لم تورث البلاد سوى تعميق الشرخ المجتمعي والمؤسساتي، لتنتهي اليوم على طاولات المفاوضات الإقليمية.

هذه النهاية المأزومة تُعيد إلى الأذهان فصولاً قديمة من سيرة الرجل وعلاقته التاريخية بالاستخبارات الدولية؛ فمنذ انشقاقه في أعقاب حرب تشاد نهاية الثمانينيات، واحتضان وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) له في فرجينيا لقرابة عشرين عاماً، ظل يُنظر إليه كأحد الأوراق الخارجية لتحريك صراعات النفوذ. هذه التبعية والعمالة التاريخية هي ذاتها التي جعلت من مشروعه رهينة مستمرة للضوء الأخضر الخارجي، حتى استنفد أدواره وتحول من ورقة استراتيجية إلى عبء سياسي وعسكري جرى الاستغناء عنه بمجرد تبدل مصالح الكبار.

يغلق حفتر اليوم خلفه أبواب المقرات العسكرية في الرجمة، ويفتح أبواب قصره الجديد في دبي محملاً بحقيبة أدويته وتاريخ حافل بالانقسامات. إن هذا التقاعد الإجباري يثبت مجدداً أن المشاريع التي تبنى على حكم الفرد الواحد والحلول العسكرية سرعان ما تتلاشى أمام توافقات المصالح الدولية، ليرحل حفتر بجسده وتاريخه المشبع بالولاءات الخارجية، تاركاً الساحة الليبية أمام تساؤلات معقدة حول مدى قدرة الهياكل العسكرية المستحدثة ومجلس القيادة المشترك على ترميم ما دمرته سنوات الحرب.

مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر

#حفتر#ليبيا
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

مقالات الرأي
شارك المقال

من حصون الطبيعة إلى حصانة القرار ..الجزائر و معادلة الردع

من حصون الطبيعة إلى حصانة القرار ..الجزائر و معادلة الردع

الطاسيلي في ذاكرة السيادة عشية القرار البرلماني

مقال بقلم الباحثة سارة محمد مرزوڨي

بوابة الجزائر الإخبارية : ثمة أراض لا تكتفي بأن تكون جزءا من الخريطة بل تفرض على من يقترب منها أن يعيد حساباته. والطاسيلي ناجر في أقصى الجنوب الجزائري واحد من تلك الشواهد التي تجعل الجغرافيا أكثر من مجرد تضاريس وتجعل الأرض نفسها جزءا من حكاية الصمود.بين الصخور الشاهقة والممرات المتعرجة والامتدادات الصحراوية تبدو الطبيعة في بعض مناطق الجنوب عائقا أمام الحركة السهلة لكنها ليست وحدها من يحمي الحدود.

فالأرض تمنح الدولة بعض عناصر قوتها أما حماية السيادة فتحتاج إلى جيش يقظ ومؤسسات قادرة على تقدير المخاطر وقرار سياسي يعرف متى يتحرك ومتى يتريث.وغدا الأحد 25 أكتوبر تتجه الأنظار إلى البرلمان الجزائري بغرفتيه في جلسات استثنائية لم يعلن رسميا عن جدول أعمالها وسط تقارير إعلامية ترجح ارتباطها بالموافقة على إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الحدود في سياق التعاون العسكري مع النيجر.

ويستند هذا الاحتمال إلى الفقرة الثانية من المادة 91 من دستور 2020 التي تشترط موافقة ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان على إرسال وحدات الجيش إلى الخارج.وهنا تبرز المفارقة التي تختصر العلاقة بين الجغرافيا والسياسة: الطاسيلي يحرس الأرض بصمته والبرلمان يحدد الإطار الدستوري لحركة الدولة خارج حدودها.فإذا كانت صخور الجنوب تفرض على أي متوغل حسابات التضاريس والمسافة والإمداد فإن الأمن القومي لا يمكن أن يبقى رهين الدفاع عند خط الحدود وحده. ففي عالم تتداخل فيه التهديدات قد تمتد تداعيات الاضطراب في دول الجوار إلى عمق المصالح الجزائرية من أمن الحدود إلى مكافحة الإرهاب ومنع انتقال الأزمات إلى المجال الوطني.لكن الانتقال من حماية الحدود إلى أي حضور عسكري خارجها ليس قرارا هينا أو خطوة يمكن فصلها عن حسابات السيادة وموازين الأمن الإقليمي. إنه قرار تحكمه اعتبارات السيادة والقانون ومصالح الدولة وتترتب عليه مسؤوليات تتصل بسلامة الجنود وطبيعة المهمة وحدودها وأهدافها ومآلاتها السياسية والأمنية.

كما أن الدستور الجزائري يربط السياسة الدفاعية بمبدأ عدم اللجوء إلى الحرب للمساس بالسيادة المشروعة للشعوب وحريتها وبالجهود الرامية إلى تسوية الخلافات بالوسائل السلمية.ولذلك فإن أهمية الموعد البرلماني لا تكمن فقط في طبيعة التصويت المحتمل بل في دلالته المؤسساتية وهي أن القرارات التي تمس حركة الجيش خارج الوطن ينبغي أن تمر عبر الإطار الدستوري المحدد لها وأن تظل غاياتها واضحة ومتصلة بحماية المصالح الوطنية واحترام الالتزامات الدولية.لقد علمتنا الجغرافيا الجزائرية أن المساحة الشاسعة ليست عبئا بالضرورة وأن الصحراء ليست فراغا وأن الجبال والأودية والممرات جزء من معادلة الأمن.

لكن التاريخ يعلمنا أيضا أن قوة الدول لا تقاس بما تملكه من حواجز طبيعية فقط بل بقدرتها على تحويل عناصر القوة إلى سياسة متزنة تعرف حدود الضرورة وتقدّر كلفة القرار.

من حصون الطبيعة إلى حصانة القرار

ليست المسألة أن تتحرك الجزائر لمجرد أنها قادرة على الحركة بل أن تعرف كيف تحمي أمنها وتصون سيادتها وتمنع التهديد قبل أن يتحول إلى خطر دون أن تفقد بوصلتها القانونية والسياسية.

فالطاسيلي لا يصوّت غدا لكن صورته تضع أمام صناع القرار حقيقة لا تتغير: الأرض أمانة والسيادة مسؤولية والقرار الذي يتصل بأمن الوطن لا يكتسب قيمته من قوته وحدها بل من حكمته أيضا.

مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر

#البرلمان#الجزائر#النيجر
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

مقالات الرأي
شارك المقال

أحمد توفيق المدني ..لماذا نحتاج إلى قراءة روادنا من جديد؟

أحمد توفيق المدني ..لماذا نحتاج إلى قراءة روادنا من جديد؟

مقال بقلم الباحثة سارة محمد مرزوڨي

بوابة الجزائر الإخبارية :ليست المشكلة أن الجزائر تفتقر إلى رجال صنعوا تاريخها، بل إن بعض هؤلاء الرجال لم ينالوا من القراءة و البحث ما يتناسب مع حجم أدوارهم، وظلت أسماؤهم حاضرة في المناسبات، بينما بقيت أفكارهم وتجاربهم و مؤلفاتهم بعيدة عن فضول أجيال تحتاج إلى أن تعرف كيف تشكل وعيها الوطني، وكيف خاض أبناؤها معارك الاستقلال قبل أن تصل الثورة إلى ساحات المواجهة.

من بين هؤلاء يبرز أحمد توفيق المدني، المؤرخ والمفكر والمناضل الذي لم يفصل بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن ذاكرته، وأدرك أن الاستعمار لا يستهدف الأرض وحدها، بل يسعى أيضا إلى التحكم في الرواية التي يروي بها الشعب تاريخه، وفي الصورة التي يحملها عن نفسه.

ولد المدني في تونس سنة 1899 لأسرة جزائرية، ونشأ في بيئة ثقافية أتاحت له التعرف إلى اللغة العربية وعلومها، قبل أن يعود إلى الجزائر وينخرط في الحركة الوطنية والإصلاحية. ومع مرور السنوات، تعددت ميادين نشاطه بين الصحافة والتأليف والعمل السياسي، فكان من الشخصيات التي ربطت بين استعادة الوعي التاريخي ومقاومة المشروع الاستعماري.

لم يكن التاريخ بالنسبة إليه سجلا للأحداث والسنوات، ولا مجموعة من الوقائع التي تستعاد في الاحتفالات الرسمية، بل كان مجالا للدفاع عن الشخصية الجزائرية، وإثبات أن هذا المجتمع يمتلك جذورا حضارية وثقافية عميقة، وأن وجوده الوطني لا يبدأ من اللحظة التي قرر فيها الاستعمار أن يكتب تاريخه.

في مؤلفاته، ومن بينها «الجزائر» و«حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا»، سعى المدني إلى تقديم صورة عن تاريخ البلاد وعلاقاتها الحضارية والسياسية، وإلى استعادة محطات من ماضيها ظلت بحاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق. كما ارتبط اسمه بالحركة الإصلاحية وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث تداخل العمل الثقافي مع الدفاع عن اللغة العربية والتعليم والهوية الوطنية.

ولم يبق الرجل حبيس المكتبة أو صفحات الكتب. فقد امتد نشاطه إلى العمل السياسي والدبلوماسي خلال الثورة التحريرية، مساهما في التعريف بالقضية الجزائرية خارج الوطن. وبعد الاستقلال، تولى مسؤوليات رسمية، وظل اسمه مرتبطا بجيل رأى في المعرفة جزءا من معركة التحرر، لا نشاطا منفصلا عن قضايا المجتمع.

لكن لماذا نحتاج اليوم إلى قراءة أحمد توفيق المدني من جديد؟

لأن قراءة الرواد ليست استعادة للماضي من أجل الماضي، وليست محاولة لإضفاء القداسة على شخصيات تاريخية لمجرد أنها عاشت زمن الاستعمار أو شاركت في الحركة الوطنية. إنها، قبل كل شيء، محاولة لفهم الطرق التي تشكل بها الوعي الجزائري، ومعرفة الأفكار التي ساهمت في حماية الهوية، والتمييز بين ما أنجزه هؤلاء الرجال فعلا وما أضافته الذاكرة الشعبية إلى صورهم بمرور الزمن.

إن الوفاء للشخصيات الوطنية لا يتحقق بتحويلها إلى أسماء معلقة على الجدران، ولا باختزال سيرها في فقرات محفوظة يرددها التلاميذ ثم ينسونها بعد الامتحان. الوفاء الحقيقي يبدأ بقراءة مؤلفاتها، وفحص وثائقها، ووضع أفكارها في سياقها التاريخي، ومناقشة ما طرحته من قضايا على ضوء التحولات التي عرفها المجتمع الجزائري.

فالرواد، مهما كانت مكانتهم، لا ينبغي أن يكونوا خارج دائرة البحث والنقاش. إن قيمتهم الحقيقية تتجلى حين تصبح أعمالهم مادة للمعرفة، وحين نستطيع أن نفهم اختياراتهم وظروفهم، ونستخلص من تجاربهم ما يساعدنا على التفكير في حاضرنا.

وهنا تبرز مسؤولية المدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية. فكم من مؤلف وطني لا يعرفه كثير من الشباب إلا من خلال عنوان عابر؟ وكم من سيرة تستحق عملا توثيقيا أو وثائقيا أو بحثا جامعيا جادا، لكنها لا تحضر في المجال العام إلا عند إحياء ذكرى صاحبها؟ إن المسافة بين الاحتفاء بالتراث ومعرفته فعلا لا تزال تستحق أن نتوقف عندها.

وقد أدركت ذلك، على نحو شخصي، من خلال تجربة مبكرة مع كتب أحمد توفيق المدني. فقد أهداني والدي رحمه الله مجلدات من مذكراته، وكنت أقرؤها خلال العطلة المدرسية على امتداد نحو ثلاثة أشهر. كانت تلك الصفحات نافذتي إلى تاريخ الجزائر، ومن خلالها اتسعت معرفتي برجالها وأحداثها، ونمت علاقتي باللغة والتعبير.

لم أكن يومها أتعامل مع تلك المجلدات باعتبارها وثائق تاريخية فحسب، بل كنت أكتشف وطنا أكبر من حدود ما تعلمته في المدرسة. واليوم، حين أستعيد تلك التجربة، أفهم أن بعض الكتب لا تمنحنا المعرفة وحدها، بل تترك فينا أثرا يمتد إلى اختياراتنا واهتماماتنا وطريقة فهمنا للعالم.

ولعل هذه إحدى الإجابات عن سؤالنا: لماذا نحتاج إلى قراءة روادنا من جديد؟ لأن الكتاب قد يصل إلى طفل أو شاب فيغير علاقته بتاريخه، وقد تتحول قراءة شخصية وطنية إلى بداية مسار في البحث والكتابة، وقد تنتقل المعرفة من جيل إلى آخر من خلال هدية بسيطة يقدمها أب لابنته، دون أن يتوقع حجم أثرها بعد سنوات.

إن أحمد توفيق المدني ليس مجرد اسم في سجل الحركة الوطنية، بل مدخل إلى مرحلة كاملة من تاريخ الجزائر، حيث التقت الثقافة بالإصلاح والسياسة بالدبلوماسية، وتكاملت جهود رجال رأوا أن تحرير الوطن يحتاج إلى تحرير الوعي أيضا.

ولا تعني إعادة قراءة المدني الاكتفاء بما كتبه أو التسليم بكل ما ورد في مؤلفاته، بل تعني العودة إلى أعماله ومقارنتها بالمصادر والوثائق، ووضعها في حوار مع ما أنجزه المؤرخون اللاحقون. فالتاريخ الجاد لا يخشى الأسئلة، والذاكرة الوطنية لا تضعف بالنقد العلمي، بل تزداد رسوخا حين تقوم على المعرفة والتوثيق.

لقد رحل أحمد توفيق المدني سنة 1983، لكن السؤال الذي تتركه سيرته لا يزال مفتوحا: ماذا نفعل اليوم بالتراث الذي تركه لنا روادنا؟ هل نكتفي باستدعاء أسمائهم في المناسبات، أم نعيد مؤلفاتهم إلى المكتبات والجامعات، ونمنحها فرصة الوصول إلى قارئ جديد؟

إن الأمم لا تحافظ على ذاكرتها بكثرة الاحتفالات وحدها، بل بقدرتها على تحويل التاريخ إلى معرفة متداولة، والكتاب إلى جسر بين الأجيال، والشخصيات الوطنية إلى موضوعات للبحث والفهم.

لهذا نحتاج إلى قراءة أحمد توفيق المدني من جديد، لا لنقيم في الماضي، بل لنفهم الطريق الذي أوصلنا إلى الحاضر. فالوطن الذي يعرف رجاله معرفة حقيقية لا يكتفي بالفخر بهم، وإنما يواصل قراءة ما تركوه، ويختبر أفكارهم، ويحفظ للأجيال القادمة حقها في معرفة تاريخها من مصادره، لا من شذرات متناثرة عنه.

وربما تبدأ الحكاية، أحيانا، من مجلدات يضعها أب بين يدي ابنته، فتفتح صفحاتها بابا لا يغلقه الزمن. عندها لا يعود الكتاب مجرد أثر من الماضي، بل يصبح ذاكرة حية، تنتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل، لتؤكد أن ما نكتبه اليوم قد يكون، ذات يوم، بداية حكاية أخرى.


مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر

#احمد توفيق المدني
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

مقالات الرأي
شارك المقال

انتخابات جنوب السودان 2026: بوابة الاستقرار أم شرارة الانقسام

انتخابات جنوب السودان 2026: بوابة الاستقرار أم شرارة الانقسام

مقال رأي بقلم محمد أكنوش خبير في شؤون افريقيا

بوابة الجزائر الإخبارية : تترقب دولة جنوب السودان، أحدث دول العالم نشأة، منعرجاً سياسياً وتاريخياً حاسماً مع إعلان المفوضية الوطنية للانتخابات عن تحديد يوم 22 ديسمبر 2026 موعداً لإجراء أول انتخابات عامة ورئاسية في تاريخ البلاد منذ نيل استقلالها عام 2011. هذا الاستحقاق الذي أُجّل لخمس مرات متتالية بسبب الحروب الأهلية والأزمات السياسية الممتدة، يأتي اليوم ليضع النخبة الحاكمة والمجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل يملك الجنوب مقومات العبور نحو الديمقراطية، أم أن صناديق الاقتراع ستتحول إلى ساحة صراع جديدة؟
تواجه المفوضية الوطنية للانتخابات سباقاً محموماً مع الزمن لتأمين نزاهة ومصداقية هذه العملية. وتتلخص أبرز العقبات الجارية على الأرض في ثلاثة محاور رئيسية:

  1. أزمة التمويل الحادة: كشفت المفوضية أنها لم تتسلم سوى جزء ضئيل جداً (نحو 27 مليون دولار) من إجمالي الميزانية المطلوبة لإدارة العملية الانتخابية والبالغة 250 مليون دولار، مما يعيق عمليات تدريب الموظفين وتوزيع أدوات الاقتراع وتدشين السجل الانتخابي بشكل واسع.

الهاجس الأمني والنزوح:

لا تزال جيوب التوتر الأمني في ولايات مثل أعالي النيل وجونقلي والوحدة قائمة، فضلاً عن وجود ملايين النازحين واللاجئين في دول الجوار الذين لم تتضح بعد آليات إدماجهم وحفظ حقوقهم التصويتية.
الحدودية الداخلية: تثير مسألة ترسيم الدوائر الانتخابية لغطاً سياسياً كبيراً، لاسيما بعد إدراج مناطق متنازع عليها إدارياً مثل منطقة “أبيي” ضمن الدوائر الانتخابية المعلنة، وهو ما لاقى رفضاً قاطعاً ومباشراً من حكومة الخرطوم في السودان.

الدعم الإقليمي وسيناريوهات المستقبل

أمام هذه المشهد المعقد، تبرز تحركات إقليمية من الاتحاد الأفريقي لدعم المسار السلمي. وفي هذا السياق، أعربت دول وازنة كالجزائر -خلال اجتماعات اللجنة رفيعة المستوى للاتحاد الأفريقي الخاصة بجنوب السودان (+5C)- عن استعدادها لتقديم دعم تقني ولوجستي للمساهمة في إنجاح استحقاق 22 ديسمبر 2026، مع دعوة كافة الأطراف الموقعة على اتفاق السلام لفتح حوار شامل وسد العجز المالي القائم

مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر

#افريقيا#جنوب السودان
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

أوروبا
شارك المقال

حرب أوكرانيا تدخل عصر الإنترنت.. ستارلينك سلاح ضغط بيد واشنطن!

حرب أوكرانيا تدخل عصر الإنترنت.. ستارلينك سلاح ضغط بيد واشنطن!

مقال رأي بقلم أحمد بوطاف : إعلامي وكاتب صحفي جزائري

بوابة الجزائر الإخبارية: لم تعد المعارك في أوكرانيا تُحسم بالصواريخ والطائرات المسيّرة وحدها. فمع تزايد اعتماد القوات على الاتصالات الرقمية وتوجيه الأسلحة عن بُعد، تحولت شبكات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية إلى جزء أساسي من القدرة على القتال. وفي هذا المشهد برزت منظومة ستارلينك التابعة لشركة سبيس إكس الأميركية بوصفها أكثر من مجرد وسيلة اتصال. فقد أصبحت عنصرا مؤثرا في حركة القوات وإدارة العمليات الميدانية وتشغيل الطائرات المسيّرة.

حرب أوكرانيا تدخل عصر الإنترنت.. ستارلينك سلاح ضغط بيد واشنطن!
أحمد بوطاف : إعلامي وكاتب صحفي جزائري

وأعادت الاضطرابات التي شهدتها خدمات ستارلينك وستارشيلد المستخدمة من جانب القوات الأوكرانية طرح سؤال يتجاوز الجانب التقني إلى طبيعة العلاقة بين كييف وواشنطن. فحين تعتمد دولة تخوض حربا على بنية اتصالات تتحكم فيها شركة أميركية وتخضع بعض استخداماتها لقرارات الحكومة الأميركية فإن قدرتها على مواصلة العمليات تصبح مرتبطة بحسابات تتجاوز ميدان المعركة.

وفي وقت تسعى فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى دفع موسكو وكييف نحو تسوية تنهي الحرب فإن القيود التي أُبلغ عن فرضها على بعض استخدامات المنظومة تفتح الباب أمام احتمال توظيف التكنولوجيا أداة للضغط السياسي. وفي المقابل تجد أوروبا نفسها أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على توفير بديل سريع فيما تبحث أوكرانيا عن أنظمة لا تتوقف فعاليتها على استمرار الاتصال بشبكة واحدة.

حرب أوكرانيا تدخل عصر الإنترنت.. ستارلينك سلاح ضغط بيد واشنطن!

ستارلينك.. من الاتصال إلى التأثير في ميدان المعركة

منذ بداية الغزو الروسي عام 2022 أصبحت ستارلينك إحدى الأدوات المهمة في البنية الرقمية للقوات الأوكرانية. فقد وفرت اتصالات في مناطق تضررت فيها الشبكات التقليدية وأتاحت نقل المعلومات بين الوحدات العسكرية ودعمت تشغيل الطائرات المسيّرة التي تعتمد على الاتصال لتوجيهها وتنفيذ مهامها.

وتكتسب هذه الوظائف أهمية خاصة في حرب تعتمد بصورة متزايدة على الاستطلاع المستمر وتحديد الأهداف وتبادل البيانات بسرعة. فالمسيّرة التي تستطيع الوصول إلى منطقة بعيدة لا تحقق كامل قدراتها بالضرورة إذا فقدت الاتصال أو تعذر توجيهها. كما أن الوحدات الميدانية تحتاج إلى شبكات مستقرة لتنسيق التحركات وتحديث المعلومات بشأن مواقع القوات المعادية.

لكن الاعتماد المتزايد على منظومة واحدة جعل أوكرانيا عرضة لتداعيات أي تغيير في شروط تشغيلها. فقد أفاد مسؤولون أوكرانيون بحدوث اضطرابات وقيود أثرت في عمل أجهزة الاستقبال المثبتة على منصات متحركة. وأشاروا إلى أن بعض الأجهزة عادت إلى العمل أثناء الحركة ضمن حدود سرعة لا تتجاوز نحو 160 كيلومترا في الساعة.

وتشير هذه التطورات إلى أن التحكم في الاتصال لم يعد مسألة تقنية منفصلة عن الحرب. فالتغيير في نطاق الخدمة أو سرعة الاتصال أو شروط الاستخدام قد ينعكس مباشرة على قدرة القوات على تنفيذ مهامها. وهو ما يجعل البنية الرقمية جزءا من معادلة القوة العسكرية وليس مجرد وسيلة مساندة لها.

حرب أوكرانيا تدخل عصر الإنترنت.. ستارلينك سلاح ضغط بيد واشنطن!

واشنطن تضغط.. وكييف تخشى تراجع قدراتها

تزامنت اضطرابات الخدمة مع تصاعد الضغوط الأميركية على كييف من أجل وقف الهجمات التي تستهدف مصافي النفط الروسية. ونقلت رويترز عن مسؤولين أميركيين وغربيين أن توجيهات صدرت من داخل البيت الأبيض لتقييد بعض خدمات الأقمار الصناعية المستخدمة من جانب القوات الأوكرانية. في المقابل نقل موقع أكسيوس عن مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية أن البيت الأبيض لم يكن له دور في فرض القيود وأن الإدارة تعتزم التواصل مع سبيس إكس للتحقق مما حدث.

ويعكس تضارب الروايات صعوبة تحديد الجهة التي اتخذت القرار وطبيعة القيود المفروضة. غير أن القضية اكتسبت بعدا سياسيا إضافيا بعدما أوضح إيلون ماسك أن منظومة ستارشيلد العسكرية مملوكة للحكومة الأميركية وتخضع لسيطرتها وأن القرارات المتعلقة باستخدامها تعود إلى القوات المسلحة الأميركية أو الرئيس.

ولا يقتصر أثر هذه الخلافات على الاتصالات العسكرية. فقد جاءت في وقت تتزايد فيه الضغوط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي للتوصل إلى تسوية مع موسكو. كما انتقد ترمب استئناف الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية ووصفها بأنها مخزية بسبب تأثيرها في أسعار الطاقة.

وفي ظل هذه المعطيات تبدو كييف أمام معادلة معقدة. فهي تحتاج إلى مواصلة الضغط العسكري على روسيا لكنها تعتمد في جانب من قدراتها على دعم تقني يمكن أن يتأثر بالقرارات السياسية الأميركية. وأي تراجع في هذا الدعم قد يفرض عليها تعديل أساليب القتال أو البحث عن بدائل أقل اعتمادا على الاتصال الفضائي.

أوروبا أمام فجوة تكنولوجية

كشفت الأزمة عن محدودية قدرة أوروبا على تعويض ستارلينك في المدى القصير. فقد أقرت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس بأن القارة لا تملك بديلا جاهزا يوفر القدرات نفسها التي تعتمد عليها أوكرانيا في ساحة المعركة.

وتكمن المشكلة في أن بناء شبكة اتصالات فضائية عسكرية لا يقتصر على إطلاق الأقمار الصناعية. فهو يتطلب منظومة متكاملة تشمل الأقمار والمحطات الأرضية وأجهزة الاستقبال والتغطية المستمرة والقدرة على مقاومة التشويش. كما يحتاج إلى اختبارات تشغيلية وتنسيق مع القوات المسلحة لضمان استمرار الخدمة في ظروف الحرب.

وتملك الدول الأوروبية خبرات متقدمة في مجال الفضاء والاتصالات والدفاع لكنها تواجه تحديا في جمع هذه القدرات ضمن منظومة تستطيع تلبية احتياجات أوكرانيا على نطاق واسع وبسرعة. ولذلك دعا قادة أوروبيون إلى تسريع تطوير القدرات الدفاعية المشتركة وسد الثغرات التي كشفها الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية.

ولا يتعلق التحدي بأوكرانيا وحدها. فالحرب أظهرت أن قدرة أوروبا على التحرك العسكري المستقل تظل مرتبطة بتوافر بنية رقمية موثوقة تستطيع دعم العمليات حتى في حال تغيرت المواقف السياسية لحلفائها. ومن هنا يبرز ملف الاتصالات الفضائية بوصفه جزءا من النقاش الأوسع بشأن الاستقلال الدفاعي الأوروبي.

حرب أوكرانيا تدخل عصر الإنترنت.. ستارلينك سلاح ضغط بيد واشنطن!

كييف تبحث عن بدائل خارج شبكة ماسك

أمام مخاطر الاعتماد على ستارلينك بدأت أهمية الأنظمة البديلة تتزايد بالنسبة إلى القوات الأوكرانية. ومن بين الخيارات التي حظيت باهتمام نظام الطائرات المسيّرة الهجومية HX-2 الذي تطوره شركة هيلسينغ الألمانية.

وبحسب معلومات نقلتها مجلة جينز عن مصادر في قطاع الدفاع فإن الطلب على النظام يتزايد بين وحدات أوكرانية تعمل في مناطق قرب الحدود الروسية حيث لا تتوافر إشارات ستارلينك أو تتأثر الاتصالات بالتشويش. ويكتسب النظام أهمية من كونه لا يعتمد على ستارلينك في تشغيله بما يمنح المستخدمين قدرة أكبر على التحكم في منظومة السلاح دون الارتباط بالشبكة نفسها.

كما أفادت معلومات نشرتها المجلة بأن اختبارات للنظام شملت التعامل مع أهداف متحركة والعمل في ظروف تشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية. وإذا تأكدت هذه القدرات في الاستخدام العملياتي الواسع فقد تتيح لأوكرانيا تقليص بعض أوجه اعتمادها على الاتصال الفضائي الأميركي.

لكن البدائل لا تعني أن كييف تستطيع الاستغناء سريعا عن ستارلينك. فهناك فرق بين امتلاك طائرة مسيّرة قادرة على العمل باستقلالية أكبر وبين توفير شبكة اتصالات متكاملة تدعم القوات المنتشرة على جبهة واسعة. ولذلك قد تتجه أوكرانيا إلى تنويع أدواتها التقنية بدلا من استبدال منظومة واحدة بأخرى بصورة كاملة.

حرب أوكرانيا تدخل عصر الإنترنت.. ستارلينك سلاح ضغط بيد واشنطن!

الإنترنت سلاح جديد في الحرب

تسلط أزمة ستارلينك الضوء على تحول أوسع في طبيعة الصراعات الحديثة. فالبنية الرقمية باتت تؤثر في قدرة الجيوش على الحركة والاستطلاع والتنسيق وتنفيذ الضربات. ولم يعد التفوق مرتبطا بعدد الأسلحة أو مداها فقط بل أصبح متصلا أيضا بالقدرة على نقل البيانات وحمايتها وضمان استمرارها تحت الضغط.

وتكشف الحالة الأوكرانية كذلك عن مفارقة استراتيجية. فالتكنولوجيا التجارية التي يمكن أن تمنح دولة قدرة عسكرية إضافية قد تتحول في الوقت نفسه إلى نقطة ضعف إذا كانت خاضعة لقرارات شركة أو حكومة خارجية. وكلما توسع الاعتماد على هذه التكنولوجيا ازدادت كلفة فقدانها أو تقييد استخدامها خلال العمليات.

وفي هذا السياق لا يبدو البحث الأوروبي عن بدائل مجرد مشروع تقني طويل الأمد بل استجابة لحاجة عسكرية وسياسية كشفتها الحرب. كما أن سعي أوكرانيا إلى تطوير أنظمة لا تعتمد على ستارلينك يعكس محاولة لتقليص المخاطر المرتبطة بمصدر واحد للاتصال.

ومع استمرار الحرب ستظل القدرة على التحكم في تدفق المعلومات والاتصالات عاملا مؤثرا في موازين القوى. فالصواريخ والطائرات المسيّرة قد تصيب أهدافها في عمق الأراضي المعادية لكن فعاليتها قد تتراجع إذا تعطلت الشبكات التي تربطها بمن يديرها.

وهكذا تفتح أزمة ستارلينك مرحلة جديدة من الصراع الأوكراني حيث لا يقتصر التنافس على السيطرة على الأرض بل يمتد إلى السيطرة على البنية الرقمية التي تجعل العمليات العسكرية ممكنة. وفي هذه الحرب قد يصبح قطع الاتصال أو تقييده وسيلة ضغط لا تقل تأثيرا عن السلاح التقليدي

مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر

#أوكرانيا#روسيا
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي
أوروبا
شارك المقال

ماكرون في وضعية لويس السادس عشر..!

ماكرون في وضعية لويس السادس عشر..!

بوابة الجزائر الإخبارية: السؤالين الوحيدين المطروحين في فرنسا الآن هما: أين الرئيس ماكرون ؟ وكم سيصمد أمام الثورة الجارفة التي قد تنتهي بسقوط الجمهورية الخامسة؟ مقارنة بانتشارها وأهوالها!

ماكرون في وضعية لويس السادس عشر..!

تأكد فعليا من خلال الشعارات التي يرفعها المحتجون اليوم في فرنسا، وكذلك المقرات التي يتم استهدافها من قبل الأمواج البشرية الغاضبة أن المشكلة الأساسية للشعب الفرنسي، هي رئيسهم إمانويل ماكرون المتسبب بسياساته في الحالة الاجتماعية المزرية التي يعيشها الفرنسيون.

ماكرون في وضعية لويس السادس عشر..!

وتبحث وسائل الإعلام الفرنسية من منذ انفجار الغضب الشامل اليوم، عن مكان الرئيس ماكرون، إذ لم يتسرب أي خبر عن وضعه ومصيره لحد الآن، إلا أنه يُرجح وجوده في مكان آمن من المظاهرات تحت الأرض، ولا يُطرح لحد الآن أي سيناريو عن تحركه خارج فرنسا!

إلا أن الشارع الفرنسي ملتهب للغاية وتبحث الحشود عن رأسه حرفيا مثلما تشهد به فيديوهات منتشرة بشكل واسع في وسائط التواصل الاجتماعي، تُظهو حشودا في باريس، تقول بوضوح ” لقد قطّعنا لويس السادس عشر وسنكررها يا ماكرون”، في إشارة واضحة إلى أن الحشود تريد الانتقام منه على الوضعية المفلسة التي حط فيها الشعب الفرنسي والدولة.

ماكرون في وضعية لويس السادس عشر..!

وتتجه الحشود الغاضبة منذ ساعات برغم منع الشرطة ، رأسا نحو قصر الإيليزي، تبدو أنها مصرة على استنساخ ماحدث في فرنسا في عهد لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت حيث تم إعدامهما بسبب فسادهما وسوء تسيير شؤون البلاد.

وقد تسارعت الأحداث وتوسعت قناعة الفرنسيين بضرورة الخروج للشارع فور استعمال النظام الفرنسي للقوة ضد المسيرات الطلابية، ووقوع عديد الجرحى، وهو ما يفسر اليوم استهداف مقرات الشرطة بشكل كثيف في مختلف المدن.

ماكرون في وضعية لويس السادس عشر..!

لكن الأخطر من ذلك بحسب تصريحات كثيرة في الشارع، كان قرار ماكرون الحشد لحرب أوروبية ضد روسيا، هو السبب رقم واحد لإشعال فتيل الثورة في الشارع، معتقدا بذلك أن الفرنسيون سيساندونه، ولو هم في وضعية اجتماعية قاسية، ليجد نفسه محاصراً، ورهينة اللوبي الصهيوني الذي سيطر على نظام الحكم في فرنسا بالطول والعرض..في انتظار ما ستسفر عنه الساعات القادمة إزاء مصير الجمهورية الخامسة التي تبدو أنها دخلت مرحلة الأفول.

#احتجاجات فرنسا#ماكرون
شارك المقال
الكاتب(ة)
سارة معمري
طالع مقالاتي
الشريط الرئيسي
شارك المقال

حلل يا دويري “المغرب”!

حلل يا دويري “المغرب”!

مقال رأي بقلم : المدير المركزي للأرشيف الإعلامي الصحراوي السالك مفتاح

بوابة الجزائر الإخبارية نظام المغرب مع تصفية الاستعمار وحق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير طبقا للائحة 1415لسنة 1960..!؟ حلل يا محامي الشيطان: المغرب يسجل اسمه بنعم على قرارالجمعية العامة للأمم المتحدة في إطار اللجنة الرابعة المعنية بتصفية الإستعمار،يصف الصحراء ليست بالمغربية ، بل غربية ومستعمرة..!؟

حلل يا دويري “المغرب”!

نظام الرباط ضمن 152 دولة التي صوتت لصالح القرار المطالب بإنصاف الشعب الصحراوي وتأكيد على المركز القانوني للقضية ضمن أجندة اللجنة المعنية بالبلدان والشعوب المستعمرة..!؟ لائحة تذكر بجميع قرارات الامم المتحدة المعنية بقضايا تصفية الاستعمار بما فيها قرار تنظيم الاستفتاء وتشكيل بعثة المينورسو لسنة1991..!؟

حلل يا دويري “المغرب”!

إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية أقرب حلفاء نظام الاحتلال المغربي ، كانا هما البلدان الوحيدان اللذان صوتا ضد القرار..!؟ فرنسا (الحامي والمحامي تاريخيا عن المواقف المغربية تجاه القضية الصحراوية،وعراب الاطروحة المغربية في الامم المتحدة ) من ضمن الدول السبع التي تحفظت على القرار لشيء في نفس باريس…!؟

حلل ياذا،وتفلسف يا ذاك من نصبت نفسك محامي الشيطان في الدفاع عن القضايا الخاسرة ..!؟

نبارك للمغرب هذا التماهي مع المشروعية الدولية والعودة للحق فضيلة، وأن كان من باب المكره ..!؟ في الاخير، نذكر بان ذات الموقف كان المغرب قد عبر عنه أمام ذات الهيئة،بالذات منذ سنة 1966 قبل أن ينقلب على نفسه سنة 1974.

الأراء الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن الموقف التحريري لبوابة الجزائر

#الشرعية الدولية،#الصحراء الغربية#المغرب
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

الشريط الرئيسي
شارك المقال

قرنا الشيطان في الجغرافيا العربية.. من صفقة الأرض إلى متاهة الارتهان! (مقال رأي)

قرنا الشيطان في الجغرافيا العربية.. من صفقة الأرض إلى متاهة الارتهان! (مقال رأي)

مقال رأي بقلم الكاتبة والباحثة الجزائرية: سارة محمد مرزوقي

بوابة الجزائر الإخبارية : ليست كل الصفقات التي تبدو انتصارا في لحظة توقيعها كذلك في ميزان التاريخ. فبعض الدول تدخل التحالفات بحثا عن مكاسب استراتيجية وضمانات للمستقبل، ثم تكتشف أن ما حصلت عليه لم يكن سوى بداية لالتزامات تتسع كلما تغيرت موازين القوى، وأن الحليف الذي وعدها بتأمين مصالحها قد يضعها أمام حسابات لم تكن في صلب رهاناتها الأولى.

قرنا الشيطان في الجغرافيا العربية.. من صفقة الأرض إلى متاهة الارتهان! (مقال رأي)
الكاتبة والباحثة الجزائرية سارة محمد مرزوقي

في هذا السياق، تبرز تجربتا الإمارات والمغرب، اللتان جمعت بينهما محطة التطبيع مع إسرائيل عام 2020، وإن اختلفت دوافع كل منهما. فالرباط حصلت على اعتراف أمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، بالتزامن مع استئناف العلاقات مع إسرائيل، بينما راهنت أبوظبي على توسيع نفوذها الإقليمي وتعزيز شراكاتها الاقتصادية والأمنية. ومن هنا يبدأ السؤال: هل كانت تلك التحالفات طريقا إلى تحصين المصالح الوطنية، أم أنها فتحت أبوابا على أثمان سياسية وأخلاقية واستراتيجية لم تكن محسوبة بالكامل؟

قرنا الشيطان في الجغرافيا العربية.. من صفقة الأرض إلى متاهة الارتهان! (مقال رأي)

بالنسبة إلى المغرب، بدا الاعتراف الأمريكي مكسبا دبلوماسيا مهما في قضية الصحراء الغربية، لكنه لا يعني وحده نهاية النزاع أو ضمان استدامة المكاسب. فالاعترافات الدولية تظل جزءا من معادلات تتغير بتغير الإدارات والمصالح، ولا يمكنها بمفردها أن تحسم كل تعقيدات الملفات الإقليمية. وهنا تبرز المفارقة: هل يكفي مكسب دبلوماسي واحد لتبرير مسار استراتيجي طويل، خصوصا حين تصبح القضية الفلسطينية في قلب التناقض بين حسابات الدولة ومواقف قطاعات من المجتمع؟

أما الإمارات، فقد قدمت التطبيع باعتباره فرصة لتوسيع التعاون وتعزيز الاستقرار. لكن تجارب التدخل الإقليمي، وفي مقدمتها اليمن، أظهرت أن التحالفات لا تضمن تطابق المصالح، وأن الشركاء قد يختلفون حول مستقبل الدول التي يتدخلون فيها. فالتوسع في النفوذ قد يمنح الدولة أوراقا إضافية، لكنه قد يضعها أيضا في قلب صراعات تستنزف الموارد والسمعة السياسية وتضاعف تعقيدات المشهد الإقليمي.

قرنا الشيطان في الجغرافيا العربية.. من صفقة الأرض إلى متاهة الارتهان! (مقال رأي)

هنا يكتسب مفهوم «الكيانات الوظيفية» دلالته النقدية. فالمقصود ليس أن كل دولة تعقد تحالفا تصبح تابعة، بل أن الخطر يبدأ حين تتحول الشراكة من أداة لخدمة المصلحة الوطنية إلى قيد يحد من حرية القرار، وحين يصبح الحفاظ على المكاسب السابقة مبررا لتحمل أثمان جديدة، حتى إن تعارضت مع الأولويات الأصلية للدولة.

ولعل الكلفة الأشد حساسية هي الكلفة الأخلاقية. فقد أعادت الحرب على غزة مسألة التطبيع إلى واجهة النقاش العربي، وكشفت اتساع الفجوة بين حسابات بعض الحكومات ومواقف قطاعات من الرأي العام الرافضة للعلاقات مع إسرائيل. وقد تستمر العلاقات الدبلوماسية والتجارية، لكن استمرارها لا يعني بالضرورة احتفاظها بالقبول الشعبي أو الرصيد المعنوي.

ومع ذلك، فإن الحديث عن عزلة كاملة للإمارات والمغرب أو عن انعدام الخيارات أمامهما لا تدعمه الوقائع على إطلاقه. فلكل منهما علاقات متعددة ومصالح متشابكة. لكن السؤال الأهم يظل قائما: هل تستطيع الدولتان الحفاظ على استقلال قرارهما، وتنويع خياراتهما، ومراجعة تحالفاتهما حين تتغير كلفتها ومآلاتها؟

قرنا الشيطان في الجغرافيا العربية.. من صفقة الأرض إلى متاهة الارتهان! (مقال رأي)

إن الجغرافيا لا تحررها الصفقات وحدها، ولا تحميها وعود الحلفاء. فالمكسب الذي لا تسنده استراتيجية مستقلة قد يتحول إلى عبء، والتحالف الذي لا تملك الدولة مراجعة شروطه قد يتحول من خيار إلى ضرورة مكلفة.

فالسيادة ليست أن تختار الحليف فحسب، بل أن تحتفظ بالقدرة على الاختلاف معه، وألا تدفع ثمن حماية مكاسبك من رصيد استقلال قرارك.

مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لمنصة بوابة الجزائر

#الامارات#الكيان الصهيوني#المغرب
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

الشرق الأوسط
شارك المقال

الإمارات رسبت في علاقاتها الدولية .. فهل ستعيد السنة؟

الإمارات رسبت في علاقاتها الدولية .. فهل ستعيد السنة؟

مقال رأي بقلم إسماعيل مليلي: كاتب صحفي جزائري

بوابة الجزائر الإخبارية : تقول الإمارات إنها لم تبني نجاحها على عوائد النفط فقط، بل بنته على ما هو أكثر قيمة، وهو أن هذه البقعة من الشرق الأوسط ستبقى الاستثناء في كل شيء، ستظل المكان الذي لن تصل إليه رصاصة عدو، ولا يُلغى فيه موعد طائرة، ولا يفقد فيه أحد أملا، لكن ما اندلعت التوترات الإقليمية في المنطقة، حتى أصبحت هذه المقولة مجرد حبر على ورق، لا تساوي ثمن الورقة التي كتبت عليها.

الإمارات رسبت في علاقاتها الدولية .. فهل ستعيد السنة؟
إسماعيل مليلي كاتب وصحفي الجزائري

فصورة الملاذ الآمن التي استغرقت الإمارات عقودا في بنائها، تزعزعت أسسها في غضون أسابيع، وليس أخطر من الخسائر المالية التي لحقت بالامارات، إلا تلك التغيرات الخفية التي طرأت على حياة المجتمع الاماراتي، مقيمين وزائرين وعاملين ومستثمرين على حد سواء.

لقد كان المشهد في شوارع دبي في الربع الأول من هذه السنة صاعقا، ففنادق الخمس نجوم لم تتجاوز نسبة إشغالها 36%، والشواطئ التي كانت تكتظ بالزائرين والعابرين والمقيمين، أصبحت شبه خالية، أما المطاعم العالمية، فهي الأخرى لم تعد تستقبل إلا عددا قليلا من زبائنها، فقد خسرت دبي 50% من زائريها بين يناير وأغسطس 2026، مقارنة بنتائج العام الماضي في الفترة نفسها، تخبرنا هذه الأرقام عن انخفاض في الإيرادات، لكنها لا تحكي لنا القصة الكاملة وراء كل حجز طيران أو فندق تم إلغاؤه، أو تلك العمالة التي وجدت مستقبلها مظلما، ووجدوا أنفسهم فجأة بلا عمل، فالفنادق التي وظفت مئات العاملين بدأت تقلص ساعات العمل والرواتب، وبعضها أغلق أبوابه مؤقتا في انتظار ما سيرسى عليه مستقبل الإمارات.

الإمارات رسبت في علاقاتها الدولية .. فهل ستعيد السنة؟

وهنا تظهر المفارقة الصعبة، فالسياحة التي كانت شريان الحياة في البلد، هي ذاتها التي أوقفت فيه النبض وكادت أن تشله، وإذا كانت الفنادق والمطارات هي الواجهة التي شهد العالم تراجعها، فإن ما يجري بعيدا عن الأضواء هو الأكثر وجعا، فعشرات الآلاف من العمالة الوافدة وجدت نفسها دون وظيفة، بل حتى أن العودة إلى أوطانهم أصبحت مكلفة ومعقدة، فشركات الطيران خفضت رحلاتها، وضاعفت أسعار التذاكر، بل هناك شركات طيران أوقفت مسارها إلى الإمارات بشكل كامل، على أمل أن تراجع خططها المستقبلية بناء على الأوضاع الامنية في المنطقة، منها الخطوط الجوية البريطانية، والأمريكية والفرنسية.

الإمارات رسبت في علاقاتها الدولية .. فهل ستعيد السنة؟

وتتحدث تقارير صحفية عن عمال يقيمون في مساكن جماعية بلا رواتب، وبلا قدرة على العودة إلى أوطانهم، في مأساة إنسانية حقيقية لا تظهر في تقارير الناتج المحلي، ولن تذكرها أي وسيلة إعلامية تابعة للإمارات. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 40 ألفا من المهنيين وأصحاب الخبرات، غادروا دبي في الربع الأول من هذا العام، وهذه الفئة لا تأخذ عائلاتها ومدخراتها فحسب، بل تزعزعت ثقتهم في ذلك الهيلمان المزيف الذي انهار في أسابيع معدودة، ومن المؤكد أنهم سيفكرون ألف مرة قبل أن يقرروا المخاطرة بالعودة مرة أخرى.

حصلت الإمارات على تصنيف ائتماني AA- من Fitch Ratings، ما يجعل مخاطر الاستثمار والعودة إلى حالة الاستقرار السابقة أمرا بطيئا، يعتمد أساسا على عودة حالة الأمان الذي كانت تنعم به المنطقة، في المقابل شهدت الأسواق الإماراتية ارتفاع تكاليف الشحن بنحو 40 %، ما انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية.

الإمارات رسبت في علاقاتها الدولية .. فهل ستعيد السنة؟

وبسبب الاعتماد الكلي للإمارات على الاستيراد، فقد وصل التضخم إلى أعلى مستوياته منذ سنوات في المواد الأساسية مثل الفاكهة، الأدوات المنزلية، مواد البناء، إضافة إلى ذلك، فقد شهد قطاع الطيران انخفاضا بنسبة 33.7%، يقابله انخفاض حاد في السياحة بنسبة 44%، ويتوقع أن ينكمش الناتج المحلي بنسبة 4.8 % بنهاية السنة الجارية، أما أزمة العقارات، فقد شهدت هي الأخرى تباطؤا كبيرا، نتيجة فقدان الإمارات للصورة الذهنية أنها المنطقة الأكثر أمانا في المنطقة، وما زاد الوضع الاجتماعي تأزما هو صافرات الإنذار، ونداءات الطائرات المقاتلة الذي أصبح جزءا من المشهد اليومي، فالمواطنون الإماراتيون لم يعتادوا على غير العيش الرغيد، وأصبحت العائلات تراجع خططها المستقبلة، سيما بعد اعتماد المدارس لسياسة التعليم عن بعد، فحالة اللا استقرار هي أكثر استنزافا وإيلاما للنفس البشرية من الحرب نفسها.

الإمارات رسبت في علاقاتها الدولية .. فهل ستعيد السنة؟

أورد مركز ستيمسون في تقرير له”إن ترميم صورة الخليج كوجهة آمنة للاستثمار قد يكون أصعب من ترميم البنية التحتية نفسها”، ولقد لعبت الإمارات لعبتها بذكاء على مدار عقود، فعندما كانت المنطقة تموج بالاضطرابات، كانت دبي ملاذا آمنا لرؤس الأموال والأثرياء، وأصحاب النفوذ، وحتى الموظفين في القطاعات الخاصة والحكومية، وهذه الميزة أصبحت اليوم في خبر كان، فالمنطقة بأكملها تعيش على فوهة بركان، كانت الإمارات هي من أوقد شرارته، ولم تعد هي ذاتها بمنأى عن هذا الخطر، بل ربما تكون هي الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، فأسواقها الحرة لم تعد آمنة، وبنيتها التحتية تشهد اضطرابا متزايدا، الأمر الذي جعل رؤوس الأموال تبحث عن ملاذ آمن خارج المنطقة، وأضحت ناطحات السحاب والمباني والفنادق الفاخرة، خاوية وملجأ للعناكب.

إن ما تمر به الإمارات ليس مجرد أزمة عابرة ستنتهي بانتهاء التوترات الإقليمية، بل هو زلزال اقتصادي ضرب البنية التحتية للبلد، وهو ربما درس؛ على أبو ظبي أن تتعلم منه الحكمة في إدارة علاقاتها الدولية والإقليمية، فالمباني الشاهقة، والطرق الواسعة، والسيارات الفاخرة، والعلاقات المشبوهة، ليست هي من تحدد قيمتك في المجتمع الدولي، هناك حسابات ومبادئ دولية أخرى يتم التصنيف من خلالها. على أبوظبي أن تجلس إلى طاولة أشقائها لتعيد السنة التي رسبت فيها، عليها أن تتعلم كيف تطلب العفو، وكيف تنزل الكبير منزلته، وتضع الثوب الخيلاء جانبا، قبل تتسبب في حرب شاملة تهلك الحرث والنسل في المنطقة. وكما يقول المثل الجزائري: “خوك خوك لا يغرك صاحبك”.

#الإمارات،#التمويل،
شارك المقال
الكاتب(ة)
خطاب ربيعة
طالع مقالاتي

مختصة في الشأن الدولي

أوروبا
شارك المقال

عمار بلاني يحذر من هدية سياسية إسبانية للمغرب في الصحراء الغربية!

عمار بلاني يحذر من هدية سياسية إسبانية للمغرب في الصحراء الغربية!

الصحراء الغربية : هل يمكن لإسبانيا أن تتنازل للمغرب عن السيطرة على المجال الجوي؟

مقال راي بقلم : الدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني

بوابة الجزائر الإخبارية : هل يمكن لإسبانيا أن تنقل إلى المغرب إدارة المجال الجوي للصحراء الغربية، دون المساس بالوضع الدولي للإقليم؟

تتجاوز هذه المسألة الاعتبارات التقنية المرتبطة بسلامة الطيران. فلا تزال الصحراء الغربية مدرجة على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. ولا يُدرج المغرب ضمن هذه القائمة بوصفه الدولة القائمة بالإدارة. كما أن مسار تصفية الاستعمار لا يزال غير مكتمل، ويظل حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير في صلب هذا الملف.

المغرب هو القوة القائمة بالاحتلال، بينما تظل إسبانيا، بحكم القانون، القوة القائمة بالإدارة، بغض النظر عن التصريحات التي يدلي بها المسؤولون الإسبان.

ولا تستطيع إسبانيا التنصل من مسؤولياتها من جانب واحد. وستظل القوة القائمة بالإدارة إلى حين التوصل إلى حل نهائي.

ويؤكد الرأي القانوني الصادر عام 2002 عن هانس كوريل، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون القانونية والمستشار القانوني للمنظمة، أن اتفاقيات مدريد المشينة لم تنقل إلى المغرب لا السيادة على الصحراء الغربية ولا صفة القوة القائمة

في ظل هذه الظروف، فإن نقل إدارة المجال الجوي إلى المغرب يثير إشكالاً سياسياً وقانونياً بالغ الأهمية.

فالتفويض التقني لا يعادل الاعتراف بالسيادة. غير أن إسناد إدارة المجال الجوي لإقليم لم يُحسم وضعه النهائي بعد إلى الرباط قد يؤدي إلى ترسيخ واقع مفروض، دون تسوية مسبقة لمسألة تصفية الاستعمار.

وباعتبارها القوة الإدارية السابقة للصحراء الغربية، تتحمل إسبانيا مسؤولية سياسية وأخلاقية خاصة. ولذلك، ينبغي لها تجنب أي نقل للصلاحيات من شأنه استباق تحديد الوضع النهائي للإقليم، إلى حين التوصل إلى حل يتوافق مع القانون الدولي وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.

وتخضع سلامة الطيران لمعايير منظمة الطيران المدني الدولي. ولا يجوز اتخاذها أساساً للاعتراف الضمني بالسيادة.

وفي هذا السياق، تستحق مبادرة حزب الشعب الإسباني التنويه.

فالحزب يطالب حكومة بيدرو سانشيز بالإبقاء على إدارة المجال الجوي تحت السيطرة الإسبانية، وضمان احترام متطلبات منظمة الطيران المدني الدولي، وإطلاع مؤسسات جزر الكناري على المفاوضات الجارية مع الرباط. كما يطالب بفتح نقاش برلماني وإشراك الهيئات الدولية المختصة قبل اتخاذ أي قرار.

وتؤكد هذه المبادرة ضرورة الفصل بين التعاون في مجال الطيران وتسوية الوضع الدولي للصحراء الغربية.

يجب ألا تقدم إسبانيا للمغرب هدية سياسية على حساب القضية العادلة للشعب الصحراوي وحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير.

شارك المقال
الكاتب(ة)
لخلف أمينة
طالع مقالاتي

أمينة لخلف صحفية جزائرية مختصة في الشأن الدبلوماسي والاقتصادي والدولي ومن الأقلام المؤسسة لبوابة الجزائر