بوابة الجزائر الإخبارية : شهدت خريطة تجارة الطاقة في القارة الأوروبية تحولات هيكلية بارزة أدت إلى إعادة ترتيب الأولويات وتكثيف الجهود لتنويع مصادر الإمدادات وتأمين الاحتياجات بعيداً عن الموردين التقليديين.
وفي هذا السياق، تسعى ثلاث دول أوروبية رئيسية هي التشيك وألمانيا إلى تعزيز وارداتها من الغاز الجزائري، مستفيدة من الموقع الجغرافي المتميز للجزائر والبنية التحتية المتطورة التي تمتلكها، سواء عبر خطوط الأنابيب المباشرة مثل “ميدغاز” و”ترانسميد” أو من خلال محطات الإسالة الضخمة. وتتفاوت مسارات التعاون بين البلدان الثلاثة وفقاً لاحتياجات كل منها؛ حيث تسعى براغ إلى مضاعفة كميات الغاز المتعاقد عليها من 200 مليون إلى 400 مليون متر مكعب سنوياً بعد زيارة وفد حكومي تشيكي للجزائر، بينما طلبت باريس التعجيل بزيادة شحنات النفط والغاز المسال لتأمين احتياجاتها في ظل اضطرابات الأسواق رغم التزامات سوناطراك التعاقدية السابقة، في حين تستعد برلين لتفعيل اتفاق زيادة الإمدادات بدءاً من عام 2027 والمساهمة في ملء منشآت التخزين الألمانية. وتعكس هذه التحركات استمرار الجزائر في تثبيت حصتها داخل السوق الأوروبية، والتي تراوحت بين 13% و14% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة.

وفي تصريح خاص لـ “بوابة الجزائر”، يؤكد الخبير في شؤون النفط والأسواق المالية العالمية، الدكتور جهاد الحكيم، أن التطورات الأخيرة في سوق الطاقة الأوروبية والطلب المتزايد على الغاز الجزائري تعد انعكاساً مباشراً للتحولات الجيو-اقتصادية التي تعيد هيكلة موازين العرض والطلب العالمية. ويشير الدكتور الحكيم لـ “بوابة الجزائر” إلى أن المعادلة التشغيلية والإنتاجية لشركة “سوناطراك” تتسم بالتعقيد الدقيق في المدى القريب نتيجة خضوعها لمحددات مالية وهندسية صارمة؛ إذ إن ضخ كميات إضافية فورية عبر خطوط الأنابيب المباشرة أو محطات الإسالة يصطدم بحدود الطاقة الإنتاجية المتاحة للحقول في المدى القصير، وهو ما يجعل أي زيادة ملموسة في الإمدادات تتطلب ضخ استثمارات رأسمالية ضخمة في عمليات الاستكشاف والتطوير لرفع معدلات الاستخراج، وهي مشاريع استراتيجية تستغرق مدايات زمنية تمتد من المتوسطة إلى الطويلة.
وفي السياق ذاته، يوضح الخبير في شؤون النفط والأسواق المالية العالمية لـ “بوابة الجزائر” أن غالبية صادرات سوناطراك تخضع لعقود توريد ملزمة طويلة الأجل مع شركاء تقليديين كبار مثل إيطاليا وإسبانيا، مما يفرض صعوبات قانونية ومالية معقدة أمام إمكانية توجيه شحنات إضافية فورية لدول أخرى مثل فرنسا، إلا عبر المرونة المحدودة المتاحة في شحنات السوق الفورية أو من خلال إعادة جدولة دقيقة بالتوافق التام مع المشتريين الحاليين.
ويرى الدكتور جهاد الحكيم لـ “بوابة الجزائر” أن التسامي المتزايد في معدلات الاستهلاك المحلي للغاز نتيجة النمو الديموغرافي المتسارع والتوسع الصناعي الملحوظ يضغط بدوره على الحصص الموجهة للتصدير، مما يجعل قدرة سوناطراك على الموازنة بين الالتزامات القائمة والطلب الأوروبي المستجد مرهونة بتسريع خطط كفاءة الطاقة محلياً، بالتوازي مع رفع وتيرة الشراكات الاستثمارية الأجنبية لحفر آبار جديدة وتحديث المنشآت الحالية.
إعادة صياغة التوازنات الجيو-اقتصادية وتكريس المركزية الإقليمية
وفي حديثه لـ “بوابة الجزائر”، يشدد الخبير في شؤون النفط والأسواق المالية العالمية، الدكتور جهاد الحكيم، على أن تحول الجزائر إلى وجهة استراتيجية لأكبر الاقتصاديات الأوروبية مثل ألمانيا وفرنسا والتشيك يتجاوز منطق الصفقات التجارية العابرة لبيع السلع الأساسية، ليفتح الباب واسعاً أمام إعادة صياغة الشراكات الاقتصادية والروابط الجيوسياسية وفق آليات ندّية جديدة.
ويبين الدكتور الحكيم لـ “بوابة الجزائر” أن مفهوم أمن الطاقة تحول رسمياً في أروقة القرار الأوروبي من النظرة التجارية المجردة إلى الاستراتيجية البنيوية؛ إذ لم يعد الغاز الجزائري خياراً تجارياً منخفض التكلفة بفضل القرب الجغرافي فحسب، بل ركيزة أساسية للتحوط ضد مخاطر انقطاع سلاسل الإمداد العالمية، وهو وضع يمنح الجزائر ثقلاً تفاوضياً يتجاوز قطاع الطاقة ليمتد إلى ملفات الاستثمار والأمن والتكامل الاقتصادي مع بروكسل.
كما يوضح الدكتور جهاد الحكيم لـ “بوابة الجزائر” أن الاعتماد الأوروبي المتزايد يفرض على القارة العجوز الانتقال السريع من دور الزبون المستهلك إلى دور الشريك الاستثماري الفعلي، مما يحفز التدفقات الاستثمارية المباشرة وتوطين التكنولوجيا الحديثة في قطاعات استكشاف الغاز الطبيعي، فضلاً عن المضي قدماً في مشاريع أسرع نمواً كالهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة لتوطيد التكامل بين ضفتي المتوسط.
ويختتم الخبير في شؤون النفط والأسواق المالية العالمية تصريحه لـ “بوابة الجزائر” بالتأكيد على أن هذا التحول الجوهري يسهم في إعادة توزيع الوزن الجيو-اقتصادي في حوض البحر الأبيض المتوسط، مما يعيد للجزائر مركزيتها كمركز طاقوي إقليمي يفرض علاقة استراتيجية قائمة على المصالح المتبادلة، بحيث تتأمن احتياجات أوروبا من الطاقة مقابل ضمان تدفقات مالية واستثمارية طويلة الأجل تدعم النمو الاقتصادي للجانب الجزائري.











