بوابة الجزائر الإخبارية : في ظل التجاذبات القانونية والدبلوماسية المعقدة التي تحيط بملف الصحراء الغربية، تطفو على السطح مسألة حدود السلطة الوطنية مقابل إلزامية الشرعية الدولية عند التعاطي مع بعثات حفظ السلام الأممية. يظهر هذا التناقض جلياً في الموقف المعلن حول بعثة “المينورسو”؛ إذ يصطدم التصور السائد بإمكانية حسم التواجد الميداني عبر إعلانات سياسية أحادية الجانب مع الإطار الإجرائي والتنظيمي الصارم الذي تحكمه نيويورك. يضعنا هذا المشهد أمام تساؤل قانوني جوهري يبحث في مدى مشروعية الاستناد إلى البيانات السياسية كبديل عن القرارات الأممية الصريحة: “بأي سند قانوني أو مادة في ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات وضع القوات (SOFA) تستند إليها الرباط لاعتبار بيانها السياسي كافياً لإنهاء مهام بعثة أممية أُنشئت بقرار سيادي لمجلس الأمن، في وقت توجب فيه قواعد القانون الدولي وقرارات نيويورك أن التفكيك والإنهاء لا يتمان إلا بقرار صريح ومماثل صادر عن نفس المجلس؟ أليس هذا القفز على الشكليات القانونية وإصرارٌ على فرض مقاربة أحادية مجرد هروب من حقيقة أن الوجود الأممي لا تحكمه رغبات الدول المستضيفة بل قواعد الشرعية الدولية؟”
وفي هذا السياق يصرح حسين الخير، أستاذ القانون الدولي، “لبوابة الجزائر ” الذي يفكك البعد القانوني والإداري لتواجد البعثات الأممية ويضع النقاط على الحروف وفق أحكام ميثاق الأمم المتحدة والمعاهدات الدولية الناظمة.يشير الدكتور حسين الخير إلى وجود اتفاقيات وأسس واضحة تنظم القوات والبعثات داخل الدولة المضيفة، وتتحدد في محاور رئيسية تشمل الوضع القانوني للبعثة داخل الدولة المضيفة، وامتيازات وحصانات الموظفين الأمميين، وحرية الحركة والتنقل، فضلاً عن حماية الأفراد والمنشآت والممتلكات، وهي عناصر ترسم بدقة ملامح العلاقة القانونية والإدارية بين الأمم المتحدة والدولة المضيفة. وتوضح الأمم المتحدة تماماً أن هذه الاتفاقيات تجسد أصلاً موافقة الدولة المضيفة على وجود عملية حفظ السلام وتنظم وضعها القانوني، غير أنها لا تشكل بحد ذاتها سنداً أو أداة تمنح الدولة المضيفة سلطة إلغاء قرار مجلس الأمن المنشئ للبعثة. وفي المقابل، يلفت الخبير القانوني إلى نقطة دقيقة يجب عدم إغفالها تتمثل في أن موافقة الأطراف، بما فيها الدولة المضيفة، تُعد من المبادئ الأساسية لعمليات حفظ السلام التقليدية، وأن سحب هذه الموافقة قد يؤثر عملاً في قدرة البعثة على أداء مهامها واستمرار وجودها الميداني، إلا أن ذلك لا يتحول بأي حال من الأحوال إلى بديل قانوني يجعل من البيان السياسي قراراً أممياً بحل البعثة وتصفيتها.

وتتلخص الخلاصة الجوهرية في أن الرباط لا تملك قانوناً صلاحية إنهاء بعثة أممية ببيان سياسي أو بقرار أحادي، على أن عدم تجديد مجلس الأمن لولايتها يترتب عليه أثر قانوني مختلف تماماً عن الإنهاء الأحادي المزعوم.ولدعم هذه القراءة الأكاديمية وتحصينها بالمرتكزات النصية الصارمة، يستند الدكتور حسين الخير إلى أربعة مرتكزات أساسية واضحة ومستمدة من صلب ميثاق الأمم المتحدة؛ أولها المادة 24 من الميثاق التي تمنح مجلس الأمن المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، ما يعني أن إنشاء عمليات حفظ السلام وتحديد ولاياتها وتعديلها وإنهاءها يدخل حصرياً ضمن اختصاص المجلس وليس ضمن الاختصاص الانفرادي أو المطلق للدولة المضيفة. وثانيها المادة 25 من الميثاق التي تلزم كافة الدول الأعضاء بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها، وهو ما يمنع أي دولة عضو من محاولة استبدال هذه القرارات الدولية بموقف سياسي وطني أحادي. وثالثها المادة 29 من الميثاق التي تجيز لمجلس الأمن إنشاء الأجهزة الفرعية التي يراها ضرورية لأداء وظائفه، حيث تندرج البعثات المنشأة بقرارات المجلس ضمن هذا الإطار المؤسسي المستند إلى تلك الصلاحية الأصيلة. وأما الارتكاز الرابع فيتمثل في المادة 2، الفقرة 5، التي تلزم الدول الأعضاء بتقديم كل عون ممكن للأمم المتحدة في الأعمال التي تتخذها وفقاً للميثاق، والامتناع عن تقديم مساعدة لأي دولة تتخذ الأمم المتحدة ضدها عملاً وقائياً أو تنفيذياً، مما يؤكد أن المنظومة الدولية تعمل وفق تسلسل هرمي قاطع تسقط معه كل محاولات الالتفاف الإعلامي والسياسي.
التفسير النفعي والثغرات الإجرائية.. كيف حاولت الرباط استغلال عدم التجديد للالتفاف على الشرعية الدولية؟
في إطار الإشكالات القانونية المعقدة المحيطة بملف الصحراء الغربية وطريقة تعاطي الطرف المغربي مع البعثات الأممية، يسلط الدكتور خالد غميض، أستاذ القانون الدولي من ليبيا، الضوء على الثغرات الإجرائية وطريقة استغلال الرباط للغموض الذي قد يكتنف قرارات مجلس الأمن. ويرى الدكتور خالد غميض أن المغرب حاول الدخول من ثغرة إشكال قانوني دقيق تمثل في التذرع بمسألة “عدم التجديد”، محاولاً تسويق أن توقف التفويض الميداني الصريح يعني تلقائياً تصفية وجود البعثة، في حين أن قواعد القانون الدولي تؤكد أن عدم التجديد لا يعني بالضرورة انتهاء دور بعثة حفظ السلام أو تجريدها الفوري من غطائها المؤسسي.

وأوضح الخبير القانوني الليبي أن القرار نفسه بات محل جدل قانوني واسع جراء وجود ثغرة في قرار مجلس الأمن، وهو ما فسح المجال أمام الرباط لمحاولة توظيف هذا اللبس وتفسير القرار بما يخدم مصالحها السياسية وأجندتها أحادية الجانب. وتثبت هذه القراءة التحليلية أن المحاولات المغربية لاستغلال الثغرات النصية لا تغير من الحقيقة الإجرائية شيئاً، إذ يظل التفسير النفعي للقرارات الدولية عاجزاً عن خلق واقعه الخاص أو نسخ الالتزامات المترتبة على تواجد البعثات الأممية.
الانتهازية الإجرائية وأوهام الالتفاف .. كيف تحوّلت مناورات الرباط إلى محاكمة علنية أمام القانون الدولي؟
في تفكيكٍ صارم للخطاب السياسي المغربي ومحاولاته المستمرة لتوظيف اللبس الإجرائي في أروقة الأمم المتحدة، يضع الخبير الدبلوماسي والبروفيسور الهادي شلوف النقاط على الحروف في تصريح لافت لـ “بوابة الجزائر “، كاشفاً زيف الرهاك المغاربي حول مسألة انتهاء ولاية بعثة “المينورسو”. يرى البروفيسور شلوف أن الرهان على الثغرات الشكلية أو تأخر التجديد الدائم للبعثات الأممية لا يعدو كونه سراباً سياسياً ومناورة انتهازية مكشوفة تُبرز حجم الإفلاس الدبلوماسي في مواجهة الشرعية الدولية.

إن تسويق المغرب لهذه التفاصيل الإجرائية الصغرى وكأنها “انتصار سيادي” أو “طرد ميكانيكي” للبعثة يعكس تعاطياً نفعياً مبتذلاً مع المعاهدات الشارعة؛ فالوجود الأممي في الصحراء الغربية محصن بتفويض دولي لا تُسقطه بيانات إعلامية أو قراءات قاصرة، والقرارات الصادرة عن مجلس الأمن لا تُنسخ بالأوهام السياسية ولا تعني قانوناً تبخّر البعثة أو سلب غطائها الدولي، بل تظل شاهداً صارخاً على عجز الرباط عن فرض أي إملاءات أحادية على طاولات نيويورك.
سيادة الشرعية أم أوهام الإملاءات؟ كيف يسحق القانون الدولي مناورات الرباط بشأن “المينورسو”؟
في تفكيك قانوني رصين ومحكم يضع النقاط على الحروف، يوضح الدكتور إيلي حاتم، أستاذ القانون الدولي من بيروت، لبوابة الجزائر أن الناحية القانونية تقتضي لزاماً التمييز الدقيق بين انتهاء المدة الزمنية المحددة لتفويض بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية، وبين إنهاء وجودها وتصفيتها، وصولاً إلى محاولة اعتبار قضية الصحراء الغربية نفسها قضية مغلقة أمام الأمم المتحدة؛ فهي مسائل مختلفة تماماً ولا يجوز الخلط بينها أو ترتيب النتائج القانونية نفسها عليها. ويشير الدكتور إيلي حاتم إلى أن بعثة المينورسو أُنشئت بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690 الصادر في 29 أبريل 1991 في إطار خطة التسوية التي وافق عليها طرفا النزاع لتتيح للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير المصير، مؤكداً أن هذه البعثة ليست مؤسسة مغربية ولا هيئة تابعة للسلطات المغربية، وإنما هي جهاز دولي يعمل حصراً تحت سلطة الأمم المتحدة ووفقاً للقرارات الصادرة عن مجلس الأمن.

وفي قراءته للجانب الإجرائي، يبيّن الدكتور إيلي حاتم لبوابة الجزائر أنه صحيح أن القرار رقم 2797 الصادر سنة 2025 حدد مدة التفويض إلى غاية 31 أكتوبر 2026، وأن عدم تجديد هذا التفويض يؤدي من حيث المبدأ إلى انتهاء مدته، إلا أن هذا الوضع لا يعني البتة أن المغرب أصبح صاحب الاختصاص في تحديد الإجراءات القانونية والإدارية المتعلقة بتصفية البعثة، أو في تقرير مصير موظفيها ومعداتها وموجوداتها بصورة أحادية، فمثل هذه المسائل تدخل حصراً ضمن اختصاص أجهزة الأمم المتحدة المعنية وفقاً لميثاق المنظمة والقواعد المنظمة لعمليات حفظ السلام والاتفاقات المتعلقة بوضع البعثات الأممية. ويرى الدكتور إيلي حاتم أن هذا التمييز يستند راسخاً إلى أحكام ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المادة 24 التي تعهد إلى مجلس الأمن بالمسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، والمادة 25 التي تلزم الدول الأعضاء بقبول قرارات المجلس وتنفيذها، فضلاً عن المادة 105 المتعلقة بالامتيازات والحصانات الضرورية لممارسة المنظمة وظائفها، في حين أن الاتفاقات المتعلقة بوضع القوات والبعثات الأممية -وفقاً لتأكيد الدكتور إيلي حاتم لبوابة الجزائر- تنحصر وظيفتها في تنظيم الوجود الميداني للبعثة وضمان سلامة أفرادها وحريتهم في الحركة وتحديد الامتيازات والحصانات والمسائل اللوجستية، ولا يجوز أبداً اعتبارها مصدراً لاختصاص الدولة التي توجد البعثة على أراضيها بإنهاء مهمة دولية من تلقاء نفسها.
ويشدد الدكتور إيلي حاتم لبوابة الجزائر على أن الأهم من ذلك يتمثل في أن عدم تجديد التفويض لا يعني إطلاقاً أن مجلس الأمن قد اعترف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية أو أنه قرر إسقاط حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، فالامتناع عن اعتماد قرار جديد لأي سبب كان لا يعادل قانوناً اعتماد قرار يعترف بالسيادة أو ينهي نزاعاً دولياً. وهنا تكمن المغالطة الأساسية في الموقف المغربي حسب تحليل الدكتور إيلي حاتم؛ فالرباط تحاول الانتقال من واقعة إجرائية تتمثل في عدم تجديد تفويض بعثة أممية إلى نتيجة سياسية وقانونية أوسع بكثير تتمثل في الادعاء بأن قضية الصحراء الغربية قد طُويت نهائياً، وهو استنتاج لا يستند إلى أي قرار صادر عن مجلس الأمن. ويضيف الدكتور إيلي حاتم لبوابة الجزائر أن حق الشعوب في تقرير المصير ليس مجرد إجراء مرتبط باستمرار بعثة معينة، بل هو مبدأ أساسي من مبادئ القانون الدولي كرسته المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة وأكدته قرارات الجمعية العامة، لاسيما القرار رقم 1514 لسنة 1960 بشأن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، والقرار رقم 2625 لسنة 1970 بشأن مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول، مذكراً بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر 1975 الذي لم يعتبر الروابط التاريخية دليلاً على سيادة إقليمية من شأنها إلغاء حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير.
وعليه، يؤكد الدكتور إيلي حاتم لبوابة الجزائر أن انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة، حتى لو أصبح نهائياً، لا يؤدي إلى انقضاء الوضع القانوني لقضية الصحراء الغربية ولا إلى سقوط الالتزامات الدولية المرتبطة بها، ومن هذا المنطلق يرى الدكتور إيلي حاتم أن الموقف الجزائري القائم على ضرورة احترام الشرعية الدولية وحق الشعب الصحراوي في تقرير المصير يستند إلى أسس قانونية واضحة بصرف النظر عن موازين القوى أو التحولات الدبلوماسية، فالدانون الدولي -كما يوضح الدكتور إيلي حاتم لبوابة الجزائر- لا يسمح بتحويل عدم اتخاذ قرار إلى اعتراف ضمني بالسيادة، كما لا يسمح لدولة طرف في نزاع دولي بأن تستخلص بصورة أحادية نتائج قانونية لم تقررها الأجهزة المختصة في الأمم المتحدة. ويخلص الدكتور إيلي حاتم لبوابة الجزائر إلى التأكيد على مبدأ أساسي مفاده أن إنهاء التفويض الزمني لبعثة أممية شيء، وإنهاء قضية تصفية استعمار مدرجة على جدول أعمال الأمم المتحدة شيء آخر تماماً، فلا يمكن لبيان سياسي صادر عن الرباط أن يحل محل قرار دولي أو يمحو حقاً كرسه ميثاق الأمم المتحدة؛ فالشرعية الدولية -وفقاً لـ الدكتور إيلي حاتم- لا تُنشأ بالتصريحات الأحادية ولا تزول بانتهاء مهمة ميدانية، بل يجب أن يطغى القانون على التحديات السياسية وشرعة الغاب، سيما وأن المغرب يستند للأسف إلى الدعم الأمريكي والإسرائيلي ويعتقد بأنه سيستفيد من هذه الغطرسة.









