بوابة الجزائر الإخبارية : يتجه مجلس الأمن الدولي اليوم، الجمعة 30 أكتوبر 2026، نحو صياغة قرار أممي جديد يُهشم أوهام الاحتلال المغربي، ويشكل ضربة قاضية للمراهنات الدبلوماسية للرباط على مغربية الصحراء.ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه المخزن حسم ملف “الحكم الذاتي” كحل خياري يتيم، يوجه القرار ضربة موجعة بتأكيده الصريح على مبدأ “تقرير المصير” كمرجعية دولية ثابتة، مخفضاً المبادرة المغربية من رتبة “الحل الوحيد” التي طالما طبّل لها الإعلام الاحتلالي إلى مجرد “حل أكثر جدوى” في صياغته الدبلوماسية، مما يفرغ الدعاية المخزنية من محتواها ويضعها أمام حقيقة حجمها الطبيعي.ولعل الأشد إيلاماً لدبلوماسية الاحتلال هو التخبط المحيط بتمديد بعثة “المينورسو” وهيكلتها؛ فبينما كان المخزن يلهث وراء تصفية البعثة وسحب كلمة “الاستفتاء” من اسمها لتنصيب شرعية زائفة، يأتي التوجه الأممي بمهلة الستة أشهر لتفكيك البنية الإدارية وتقليص المكاتب كإعلان صريح عن خنق الوجود الاحتلالي قانونياً وسياسياً، ليبقى حق الشعب الصحراوي في حريته عقبة كؤوداً تُكسر عليها أحلام التوسع التافهة في أروقة نيويورك.

وفي هذا السياق، أكد سيدي محمد عمار، ممثل جبهة البوليساريو لدى الأمم المتحدة والمنسق مع بعثة المينورسو، أن موقف الجبهة من المسودة الأمريكية التي وُزعت على أعضاء مجلس الأمن في الثاني والعشرين من أكتوبر الجاري يتسم بالوضوح والحسم، مشيراً إلى أن الجبهة أبلغت موقفها رسمياً إلى الرئيس الحالي لمجلس الأمن، المندوب الدائم لليونان، من خلال رسالة تضمنت اعتراضات جوهرية على مضمون المشروع وانعكاساته المحتملة على مستقبل العملية السياسية في الصحراء الغربية.وأوضح عمار أن المسودة الأمريكية، وفق تقييم جبهة البوليساريو، تعكس بصورة مباشرة الموقف الوطني للولايات المتحدة الأمريكية المتوافق مع الطرح المغربي، معتبراً أنها تتعارض مع الوضع القانوني الدولي للصحراء الغربية باعتبارها قضية تصفية استعمار، وتهدد بتقويض المرجعيات والأسس القانونية والسياسية التي استند إليها مجلس الأمن طوال العقود الماضية في معالجة النزاع.وشدد المسؤول الصحراوي على أن خطورة المشروع لا تقتصر على مضمونه السياسي، بل تمتد إلى محاولته إعادة توجيه مأمورية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «المينورسو»، التي أُنشئت أساساً لتمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير، عبر تنظيم استفتاء حر ونزيه يتيح له اختيار مستقبله السياسي بكل حرية، بما في ذلك خيار الاستقلال.
وفي هذا الإطار، ذكّر عمار بأن إنشاء بعثة المينورسو بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690 الصادر في أبريل 1991 جاء تتويجاً لاتفاق مسبق بين طرفي النزاع، جبهة البوليساريو والمغرب، بشأن خطة التسوية المشتركة التي وضعتها الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية آنذاك، مؤكداً أن أي محاولة لتغيير طبيعة ولاية البعثة أو تعديل مهامها الأساسية لا يمكن فصلها عن الأسس التوافقية التي قامت عليها العملية الأممية، ولا ينبغي أن تتم دون موافقة طرفي النزاع.وحذر ممثل جبهة البوليساريو من تحويل عدم تنفيذ المغرب لالتزاماته المنصوص عليها في خطة التسوية الأممية الإفريقية إلى مبرر لإسقاط حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال، معتبراً أن مثل هذا التوجه من شأنه مكافأة سياسة فرض الأمر الواقع على حساب الشرعية الدولية. كما جدد رفض الجبهة لأي محاولة لإضفاء الشرعية على الاحتلال أو تكريس الاستحواذ على الأراضي بالقوة، مؤكداً أن هذه الممارسات تتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وفي موقف يعكس تصاعد حدة الاعتراض الصحراوي على المشروع الأمريكي، أكد عمار أن المسودة، حتى مع احتمال إدخال تعديلات عليها، لا يمكن بصيغتها الحالية أن تشكل أساساً مقبولاً لمداولات مجلس الأمن أو مرجعية صالحة لاستئناف عملية سلام حقيقية، ما لم تخضع لتغييرات جوهرية تعيد الاعتبار إلى حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير وإلى الطبيعة الأصلية لمأمورية المينورسو.وذهب المسؤول الصحراوي إلى التحذير من أن اعتماد المشروع الأمريكي دون إدخال تعديلات جوهرية وهادفة قد يدفع جبهة البوليساريو إلى الانسحاب الكامل من العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، موضحاً أن استمرار المشاركة في مسار يؤدي، من وجهة نظر الجبهة، إلى إضفاء الشرعية على السيطرة المغربية على أجزاء من الصحراء الغربية سيكون أمراً غير مقبول، لأنه يحوّل عملية السلام من آلية لتسوية النزاع وفق القانون الدولي إلى مسار لتكريس الأمر الواقع.
ورغم هذا التحذير، جدد سيدي محمد عمار تأكيد استعداد جبهة البوليساريو لمواصلة التعاون مع الأمم المتحدة والانخراط في الجهود الدولية الرامية إلى التوصل إلى سلام عادل ودائم، شريطة أن يستند أي حل سياسي إلى احترام الوضع القانوني للصحراء الغربية وتمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه الثابت وغير القابل للتصرف في تقرير المصير والاستقلال، باعتباره، وفق موقف الجبهة، الأساس الذي لا يمكن تجاوزه لتحقيق تسوية نهائية للنزاع.
موقف الدبلوماسية الصحراوية وقراءة في تداعيات القرار الأممي
يضع المحلل السياسي محمود خطري مشروع القرار المرتقب لمجلس الأمن الدولي في خانة الانتكاسات الحادة لمسار القضية الصحراوية، مؤكداً في تصريح خاص لبوابة الجزائر أنه يُعدّ النص الأشد خطورة وسوءاً في تاريخ التعاطي الأممي مع الملف. ويرى خطري أن هذه الصياغة الانحيازية تُترجم عملياً أولى الثمار والمكاسب الميدانية للتطبيع المغربي مع الكيان الصهيوني، والذي نجح في توظيف شبكات نفوذه للضغط باتجاه شرعنة الأمر الواقع على حساب الحقوق المشروعة للشعب الصحراوي.

ويُبدي المحلل السياسي تشاؤمه تجاه إمكانية حدوث تغيير جذري في مواقف القوى الكبرى أثناء جلسة التصويت؛ مشيراً لبوابة الجزائر إلى أن أقصى ما يُمكن أن تسفر عنه المواقف المخالفة هو امتناع روسيا عن التصويت، وهو موقف سلبي لا يُمكن الرهان عليه لإجهاض القرار أو تعديل جوهره. ويحذر محمود خطري من التبعات الميدانية الخطيرة لهذا المنحى، معتبراً أن إقرار المسودة بصيغتها الحالية يضع جبهة البوليساريو أمام خيار محتوم بالانسحاب الكامل من العملية السياسية والمفاوضات العقيمة مع الأمم المتحدة، مما يُنذر بإعادة المنطقة برمتها إلى مربع الانفجار العسكري المباشر ونسف حالة الاستقرار الهش.
المرجعية القانونية والتوازنات الدولية في مجلس الأمن
وفي قراءة قانونية وسياسية لمستجدات جلسة التصويت، يؤكد خبير القانون الدولي، محمد أحمد ماضي، في تصريح خاص لبوابة الجزائر، أن اتجاه مجلس الأمن الدولي للتصويت على مشروع القرار الأميركي بشأن الصحراء الغربية وتجديد ولاية بعثة “المينورسو”، يأتي في ظل خلافات جوهرية تتصل بمرجعية التسوية السياسية ومستقبل مهام البعثة الأممية.

ويرى “ماضي” أن مواقف دول مثل روسيا والصين وباكستان تظل تحت المجهر؛ بالنظر إلى امتناعها السابق عن التصويت على القرار 2797 في أكتوبر 2025 (والذي حصد حينها 11 صوتاً مع عدم مشاركة الجزائر)، مشيراً إلى أن نقطة الاصطدام الأساسية تكمن في محاولات فرض المقترح المغربي للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، ومدى المساس بضمان حق تقرير المصير، في وقت يقتضي فيه تمرير القرار حشد تسعة أصوات مؤيدة شريطة عدم استخدام أي دولة دائمة العضوية لحق النقض (الفيتو).
ويشدد محمد أحمد ماضي، عبر بوابة الجزائر، على أن تجديد ولاية “المينورسو” لا يجب بأي حال من الأحوال أن يُتخذ مدخلاً لتغيير جوهر عقيدتها التشغيلية أو الالتفاف على الحق الأثبت للشعب الصحراوي في ممارسة تقرير مصيره.
ويجزم خبير القانون الدولي بأن هذا الحق غير قابل للتصرف ولا يسقط بالتقادم، ولن تمتلك أي تسوية تتجاوز الإرادة الحرة للصحراويين أدنى مشروعية قانونية؛ فلا سلام ينشأ بمعزل عن العدالة، ولا تسوية تُفرض بعيداً عن إرادة أصحاب الأرض، ولا شرعية لأي مسار ينتقص من حقوقهم التاريخية والسيادية.















