بوابة الجزائر الإخبارية: قبل أن تتحول شبكات الذهب والموانئ والمقاتلين الأجانب في إفريقيا إلى مادة لتحقيقات دولية وعقوبات وقرارات سياسية، كان الرئيس عبد المجيد تبون قد وضع منذ 2024 مسألة التدخل الخارجي في بؤر النزاع الإفريقية ضمن أخطر التهديدات التي تواجه سيادة دول القارة. وبعد أكثر من عامين، تعيد معطيات نشرتها «فايننشال تايمز» في أوت 2026، إلى جانب تقارير لمنظمة هيومن رايتس ووتش وعقوبات أمريكية وتحركات داخل البرلمان الأوروبي، قراءة تلك التحذيرات في ضوء أرقام تتجاوز 168 مليار دولار من الاستثمارات الإماراتية المعلنة في إفريقيا منذ 2017، وتدفقات بمئات الأطنان من الذهب الإفريقي، وشبكات قالت الصحيفة البريطانية إنها أوصلت نحو 2000 مقاتل كولومبي إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
وتبدو المقارنة الزمنية لافتة. ففي مارس 2024 تحدث الرئيس تبون عن تدخل دولة عربية لم يسمها، مشيرًا إلى وجود أموالها حيث توجد النزاعات في مالي وليبيا والسودان، ومحذرًا من أن «للصبر حدودًا». ولم يسم الرئيس الإمارات صراحة، وهو ما يفرض الفصل صحفيًا بين موقفه الرسمي وبين الربط الذي قامت به لاحقًا وسائل إعلام جزائرية ودولية. غير أن التطورات التي تلت ذلك جعلت جوهر قراءته أكثر حضورًا، بعدما بدأت مؤسسات وصحف دولية توثق التداخل بين المال والموانئ والموارد والأمن وشبكات المقاتلين داخل عدد من بؤر التوتر الإفريقية.

ويبرز في هذا التسلسل الطابع الاستشرافي للمقاربة التي تبناها الرئيس عبد المجيد تبون تجاه القارة، إذ لم يتعامل مع الأزمات الإفريقية باعتبارها ملفات أمنية معزولة، وإنما ربط مبكرًا بين التدخل الخارجي واستمرار النزاعات وإضعاف قدرة الدول على التحكم في قرارها وثرواتها. وكان السودان من أكثر الملفات التي ظهر فيها هذا الموقف بوضوح، عندما أكد تبون، خلال استقبال رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في جانفي 2024، وقوف الجزائر إلى جانب السودان، وشدد على ضرورة معالجة النزاعات الداخلية بعيدًا عن التدخلات الأجنبية، قبل أن يعود في ماي من العام نفسه إلى التحذير من اتساع التدخلات الخارجية في أزمات السودان وليبيا واليمن.

ما حذّر منه تبون في 2024 يعود بأرقام ثقيلة
بعد أكثر من عامين على تلك التحذيرات، نشرت «فايننشال تايمز» في 4 أوت 2026 تحقيقًا موسعًا حول الحضور الإماراتي في إفريقيا، مقدمة صورة تتجاوز الاستثمار التقليدي إلى شبكة واسعة من المصالح في الموانئ والتعدين والزراعة والطاقة واللوجستيك. وبحسب بيانات fDi Markets التابعة للصحيفة، تجاوزت القيمة المعلنة للمشاريع الإماراتية في القارة 168 مليار دولار منذ 2017، مع التنبيه إلى أن جزءًا من هذه المبالغ يمثل مشاريع معلنة لا تتحول كلها بالضرورة إلى استثمارات منفذة. وتشمل الأمثلة التي رصدها التحقيق محطة رياح بقيمة 10 مليارات دولار في مصر، ومصفاة نفط بقيمة 4 مليارات دولار في أوغندا، ومشروع ميناء بقيمة 1.2 مليار دولار في السنغال.
وفي قلب جزء من هذا التوسع تتحرك مجموعة International Holding Company، التي تبلغ قيمتها السوقية وفق «فايننشال تايمز» نحو 240 مليار دولار، مع استثمارات في النحاس بزامبيا والذهب في جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا ومالي والحديد في موريتانيا. غير أن أهمية هذه الخريطة لا تقف عند حجم الأموال الموظفة، لأن طبيعة الأصول المستهدفة تمنح الاستثمار وزنًا يتجاوز العائد المالي المباشر. فالموانئ والممرات البحرية والمناجم والأراضي الزراعية ليست منشآت تجارية عادية، وإنما عقد تتحكم في حركة السلع والمواد الخام وسلاسل الإمداد.

وتشغل أو تطور DP World وAbu Dhabi Ports موانئ ومحطات داخلية ومناطق حرة في 13 دولة إفريقية، بينما توسعت شبكات DP World اللوجستية والتوزيعية إلى أكثر من 25 دولة بعد عمليات استحواذ إضافية في جنوب إفريقيا ونيجيريا. وتظهر حالة ميناء بربرة في أرض الصومال طبيعة هذا التداخل، بعدما ضخت DP World نحو 450 مليون دولار في الميناء والبنية المرتبطة به، بما فيها طريق يصل إلى إثيوبيا، في وقت رافق فيه الامتياز التجاري اتفاق منفصل منح الإمارات استخدام منشآت عسكرية ومهبط قريب.
وهنا تكتسب الرؤية الجزائرية التي دافع عنها الرئيس تبون بعدًا أعمق، لأن السيادة في هذه القراءة لا تتوقف عند الحدود السياسية، وإنما تمتد إلى الموانئ والممرات والمنشآت والموارد التي تتحكم في قدرة الدولة على إدارة اقتصادها. فالاستثمار الأجنبي يمكن أن يشكل رافعة ضرورية للتنمية، لكن قيمته بالنسبة إلى الدولة المضيفة ترتبط بقدرته على بناء قدرات محلية مع بقاء القرار السيادي والثروة الأساسية تحت سيطرتها.

168 مليار دولار.. حين يصبح الاستثمار أكبر من صفقة
التحقيق البريطاني يضع بذلك سؤالًا أكبر من حجم الاستثمار نفسه، يتعلق بالحد الفاصل بين رأس المال الذي يبني البنية التحتية ورأس المال الذي يمنح صاحبه أدوات تأثير تتجاوز المشروع التجاري. وهذا السؤال ينسجم مع المقاربة التي تبناها الرئيس تبون في علاقته بإفريقيا، حيث ظل يؤكد أن شراكات القارة ينبغي أن تخدم تنميتها وتحافظ في الوقت نفسه على استقلال قرارها.
وتظهر حساسية المسألة أكثر عند النظر إلى تصريحات وزير الإعلام الإريتري يماني جبريمسكل، الذي انتقد أمام «فايننشال تايمز» ما وصفه بطموح إماراتي للسيطرة على المنطقة، معتبرًا أن المسار بدأ بالموانئ في شرق إفريقيا ثم اتسع نحو إسقاط القوة واستغلال الموارد. كما رأى الباحث الإثيوبي مهاري تاديلي مارو أن حجم الموارد التي توظفها أبوظبي يمكن أن يحد من قدرة بعض الدول الإفريقية على موازنة العلاقة معها.
وهذه القراءة لا تعني أن كل استثمار إماراتي يحمل بالضرورة بعدًا أمنيًا أو سياسيًا، كما لا تسمح بجمع مختلف المشاريع داخل مخطط واحد من دون أدلة. لكنها تظهر أن السيطرة على أصول حساسة مثل الموانئ والمناجم والممرات قد تنتج وزنًا يتجاوز القيمة المحاسبية للعقد، وهو تحديدًا ما يجعل مفهوم السيادة الاقتصادية جزءًا من النقاش حول مستقبل إفريقيا.

ذهب إفريقيا يغادر.. والقيمة تستقر خارج القارة
ويصبح السؤال أكثر حدة عند الانتقال من الموانئ إلى الذهب. فقد قدرت دراسة SWISSAID التي شملت 54 دولة إفريقية أن ما لا يقل عن 435 طنًا من الذهب خرجت من القارة دون تصريح في 2022 وحده، بقيمة قاربت 31 مليار دولار، أي أكثر من طن يوميًا، فيما تضاعف تهريب الذهب من إفريقيا بأكثر من مرتين بين 2012 و2022.
والرقم الأكبر يتعلق بالوجهة التي استقبلت جزءًا كبيرًا من هذه التدفقات. فبين 2012 و2022 استوردت الإمارات نحو 2569 طنًا من الذهب الإفريقي لم تكن مسجلة كصادرات في البلدان الإفريقية الأصلية، بقيمة قدرت بحوالي 115.3 مليار دولار. وفي 2022 وحده استحوذت الإمارات على 47% من الذهب الإفريقي المصدر إلى الخارج، مقابل 21% لسويسرا و12% للهند.
ولم يتراجع الاتجاه بعد ذلك، إذ استوردت الإمارات خلال 2024 نحو 748 طنًا من الذهب الإفريقي، بزيادة 18% خلال عام، بينها 29 طنًا مباشرة من السودان، و18 طنًا من تشاد و9 أطنان من ليبيا، فيما بلغ إجمالي وارداتها العالمية من الذهب في السنة نفسها 1392 طنًا بقيمة 105.4 مليارات دولار.

وتقول الإمارات من جهتها إنها طورت قواعد صارمة للمصدر المسؤول للذهب ومكافحة غسل الأموال، وتؤكد أن تجارتها تخضع للرقابة والمعايير الدولية. غير أن البيانات التي أوردتها SWISSAID تظل تطرح سؤالًا اقتصاديًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى القارة، يتعلق بحجم الإيرادات والضرائب والعملات الصعبة التي تخسرها الدول المنتجة عندما تغادر الثروة خارج القنوات الرسمية، في الوقت الذي تنتقل فيه حلقات من القيمة المضافة والتكرير والتجارة وإعادة التصدير إلى مراكز خارج إفريقيا.
ومن هذه الزاوية، تبدو الرؤية التي دافع عنها الرئيس عبد المجيد تبون بشأن الاحتفاظ بالسيادة على الموارد أكثر التصاقًا بالأرقام الفعلية. فالثروة الطبيعية لا تحقق السيادة الاقتصادية لمجرد وجودها تحت الأرض، وإنما عندما تستطيع الدولة التحكم في استخراجها وتسويقها وتحصيل عائداتها والاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة التي تنتج عنها.
من الموانئ إلى ساحات القتال
وفي 15 أوت انتقلت «فايننشال تايمز» إلى مستوى أكثر حساسية عندما نشرت تحقيقًا حول شبكة قالت إنها أوصلت نحو 2000 مقاتل كولومبي إلى السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع. واستند التحقيق إلى مقابلات مع سبعة مقاتلين، وسجلات سفر وقوائم رحلات وصور وفيديوهات وبيانات لتتبع الأجهزة والاتصالات، فيما قال المقاتلون إن الجهة التي أدخلتهم إلى الشبكة كانت شركة Global Security Services Group، ومقرها الإمارات. ولم تستجب الشركة، بحسب الصحيفة، لطلبات التعليق.

ولم يكن التحقيق الصحفي أول من يثير المسألة. ففي ماي 2026 نشرت Human Rights Watch تحقيقًا من 83 صفحة خلص إلى أن مئات المتعاقدين العسكريين الكولومبيين جرى تجنيدهم منذ 2024 بواسطة شركات خاصة، وأنهم مروا عبر منشآت عسكرية في غياثي والوثبة بأبوظبي قبل انتقالهم إلى السودان عبر شبكة تضم شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال ونجامينا في تشاد.
واستندت المنظمة إلى مقابلات مع متعاقدين سابقين وموظف سابق في GSSG وشهود من الفاشر ووثائق شركات وتراخيص رسمية وصور ومقاطع جرى تحديد مواقعها جغرافيًا، وخلصت في تقييمها إلى أن استخدام منشآت حكومية إماراتية والعلاقات بين الشركة ومستويات عليا في السلطة تشير إلى عملية مدعومة من الدولة. الإمارات ترفض هذه الخلاصة وتنفي تقديم الدعم العسكري أو المالي لقوات الدعم السريع.
وبحسب تحقيق «فايننشال تايمز»، وصلت أول كتيبة كولومبية في أكتوبر 2024 وساهمت في إنشاء ممر للإمداد عبر شرق ليبيا نحو دارفور، فيما مر فوج آخر عبر قاعدة بوصاصو. وقال أحد المقاتلين إن نحو 300 متخصص تلقوا بين جانفي وأكتوبر 2025 تدريبًا على المسيّرات والدفاع الجوي داخل الإمارات قبل إرسالهم إلى السودان. كما دعمت الصحيفة هذا المسار بتحليل رقمي أجرته Conflict Insights Group لبيانات أجهزة ظهرت في الإمارات ثم بوصاصو ونيالا والفاشر.
وهنا تعود تحذيرات الرئيس تبون إلى قلب المشهد. فمن دون نسبة ما لم يقله إليه أو الادعاء بأن التحقيقات أثبتت هوية الدولة التي قصدها، يبقى واضحًا أن الرئيس وضع منذ 2024 خطر انتقال المال الخارجي إلى ساحات النزاع ضمن أولويات قراءته للوضع الإفريقي، قبل أن تتحول شبكات التمويل والتجنيد والنقل العسكري لاحقًا إلى ملفات دولية موثقة.
2000 مقاتل.. التحقيقات تتجاوز حدود الصحافة
بحلول نهاية 2025، لم يعد الملف مقتصرًا على الصحافة والمنظمات الحقوقية. ففي 9 ديسمبر فرض مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أربعة أفراد وأربع شركات قال إنها تشكل شبكة عابرة للحدود لتجنيد عسكريين كولومبيين سابقين لصالح قوات الدعم السريع، تشمل مهامهم المشاة والمدفعية وتشغيل المسيّرات والمركبات والتدريب. وحددت الخزانة ألفارو أندريس كويخانو بيسيرا، وهو ضابط كولومبي متقاعد مقيم في الإمارات، باعتباره شخصية مركزية في عملية التجنيد والنشر، قبل أن تتوسع العقوبات خلال 2026 لتشمل شخصيات وكيانات أخرى مرتبطة بالشبكة.

وفي 9 جويلية 2026، انتقل الملف إلى مستوى سياسي أوروبي عندما تبنى البرلمان الأوروبي قرارًا بشأن السودان بـ476 صوتًا مقابل 28 وامتناع 96، طالب فيه بفرض عقوبات على المسؤولين عن الهجمات على المدنيين وعلى الميسرين الخارجيين، وذكر Global Security Services Group بالاسم، كما دعا إلى إضافة قوات الدعم السريع إلى قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية. ويظل من الضروري التمييز بين الدعوة والإجراء الفعلي، إذ لم يكن القرار إعلانًا عن إدراج تم بالفعل، وإنما مطالبة سياسية باتخاذه.
وفي المقابل، ترفض الإمارات بصورة قاطعة الاتهامات المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع، وتؤكد أنها لم تقدم أسلحة أو تمويلًا عسكريًا لأي طرف في الحرب السودانية، كما تشدد على دعمها لوقف دائم لإطلاق النار وعملية سياسية يقودها المدنيون. ونقلت «فايننشال تايمز» كذلك ردًا إماراتيًا يفيد بأن السلطات أجرت تحقيقات بشأن GSSG وخلصت إلى عدم تورطها في نشاط مرتزقة في السودان، وأن أبوظبي تنفي تسهيل انتقال المقاتلين الأجانب أو تقديم أسلحة لأي طرف.
تبون قرأ الخطر قبل أن تتضح ملامحه
وسط هذا التسلسل تكتسب تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون في مارس 2024 وزنًا مختلفًا. فقد جاءت قبل أكثر من عامين من التحقيق الأخير لـ«فايننشال تايمز»، وقبل تقرير Human Rights Watch المفصل، وقبل اتساع شبكة العقوبات الأمريكية والتحرك السياسي داخل البرلمان الأوروبي. ولا يسمح ذلك صحفيًا بالقول إن تحقيقًا لاحقًا أثبت هوية الدولة التي كان الرئيس يقصدها، لأنه لم يسمها رسميًا، لكنه يكشف أن تشخيصه المبكر لخطر تداخل المال الخارجي مع النزاعات سبق ظهور كتلة كبيرة من المعطيات التي جعلت الموضوع لاحقًا محل متابعة دولية واسعة.
وهنا تكمن قوة الرؤية الاستشرافية للرئيس تبون. فقد نظر إلى السيادة الإفريقية باعتبارها منظومة واحدة لا يمكن فصل أمنها عن اقتصادها، ولا قرارها السياسي عن مواردها وموانئها وممراتها. فالدولة التي تفقد السيطرة على مصدر ثروتها أو طريق تصديرها أو قرارها الأمني قد تفقد تدريجيًا جزءًا من قدرتها على صياغة سياساتها بحرية، حتى من دون وجود احتلال عسكري أو تدخل مباشر بالشكل التقليدي.
ومن هذا المنطلق، ظل الخط الجزائري يقوم على رفض التدخل الخارجي والدفع نحو حلول إفريقية للأزمات الإفريقية، وهي مقاربة تمنح الأولوية لبقاء الدولة الوطنية ومؤسساتها وقدرتها على إدارة مواردها بعيدًا عن شبكات المصالح المتداخلة.

السيادة أولًا.. الرؤية الجزائرية لإفريقيا
تزداد دلالة هذه المقاربة عندما توضع الأرقام جنبًا إلى جنب. هناك 168 مليار دولار من الاستثمارات المعلنة في إفريقيا منذ 2017، و115.3 مليار دولار من الذهب الإفريقي غير المسجل عند التصدير الذي وصل إلى الإمارات خلال عقد، و748 طنًا من الذهب الإفريقي استوردتها الإمارات خلال 2024، إلى جانب نحو 2000 مقاتل كولومبي تحدث عنهم تحقيق «فايننشال تايمز».
ولا تثبت هذه الأرقام بمفردها وجود مخطط واحد يجمع كل الملفات، كما أن الإمارات تنفي الاتهامات المتعلقة بدعم أطراف الحرب في السودان. لكنها تكشف حجم المساحة التي بات رأس المال والموارد واللوجستيك والأمن يتحرك داخلها في القارة نفسها، وهو ما يجعل سؤال السيادة أكثر إلحاحًا من مجرد حساب حجم الاستثمار الداخل.
وهنا تتقدم الرؤية الجزائرية التي يقودها الرئيس عبد المجيد تبون باعتبارها قراءة تقوم على أن إفريقيا تحتاج إلى الاستثمارات والشراكات، لكنها تحتاج في الوقت نفسه إلى ضمان ألا تتحول حاجتها إلى التمويل إلى تنازل عن القرار أو الموارد. فالاستثمار الأكثر فائدة للقارة هو الذي يبني مصانع وموانئ وبنية تحتية ويولد وظائف وينقل التكنولوجيا، مع إبقاء الدولة صاحبة القرار النهائي في مواردها ومساراتها الاقتصادية.
وبهذا المعنى، لم يكن موقف الرئيس تبون تجاه التدخلات الخارجية مجرد تحفظ دبلوماسي مرتبط بلحظة سياسية، بل جزءًا من تصور أوسع لمستقبل القارة يقوم على الربط بين الاستقلال السياسي والسيادة الاقتصادية والسيطرة على الموارد. وهذا ما يجعل تحذيراته السابقة أكثر دلالة عندما تقرأ اليوم إلى جانب ما تكشفه المؤسسات الدولية عن شبكات الذهب والموانئ والمقاتلين.
فالجزائر لم تنتظر أن تتحول شبكات التجنيد إلى قوائم عقوبات، ولا أن تصبح أطنان الذهب غير المسجل موضوعًا لدراسات دولية، حتى تضع مسألة السيادة وعدم التدخل في قلب خطابها الإفريقي. بل حذر الرئيس تبون من الخطر عندما كان جزء كبير من تفاصيله لا يزال بعيدًا عن واجهة النقاش الدولي.
وبعد أكثر من عامين، تبدو الصورة التي تتشكل من تحقيقات الصحافة والمنظمات الحقوقية والعقوبات والقرارات السياسية أقرب إلى جوهر ما حذرت منه الجزائر مبكرًا: القارة لا تحتاج فقط إلى جذب المال، بل إلى امتلاك القدرة على تحديد شروطه، وحماية ثرواتها، والتحكم في ممراتها، ومنع تحول النزاعات إلى أسواق مفتوحة للتمويل والسلاح والمقاتلين.
ومن هنا تكتسب رؤية الرئيس عبد المجيد تبون بعدها الاستشرافي الأوسع؛ فمعركة إفريقيا المقبلة قد لا تدور حول من يملك أكبر كمية من الموارد، وإنما حول من يحتفظ بالقرار عندما تتحول تلك الموارد إلى مال وموانئ وشبكات لوجستية ومصالح عابرة للحدود. وفي هذه المعادلة، تضع الجزائر السيادة في البداية، لا في نهاية الحساب

























