مقال بقلم: د. إبراهيم مطر – خبير الشؤون الأمنية والعلاقات الدولية ورئيس منظمة الوحده والسلام للتنمية مكتب فرنسا
بوابة الجزائر الإخبارية : يمثل صدور المرسوم المؤقت رقم (7) لسنة 2026، المتعلق بالتعديلات المتنوعة على عدد من القوانين السودانية، تطوراً يستحق قراءة متأنية تتجاوز العناوين الإخبارية إلى تحليل أبعاده السياسية والأمنية والاقتصادية والقانونية. فالتعديلات التي شملت ستة قوانين، من بينها قانون الثروة النفطية والقانون الجنائي وقوانين وزارة العدل والنيابة العامة والشركات وتفسير القوانين، تطرح أسئلة جوهرية بشأن طبيعة الدولة التي يجري العمل على إعادة تشكيلها في ظل الحرب، وحدود التوازن بين متطلبات الأمن القومي ومبادئ الحكم الرشيد وسيادة القانون.
إن أهمية هذه الخطوة لا تنبع من عدد القوانين التي شملتها فحسب، بل من طبيعة الملفات التي تتناولها؛ إذ تتصل بإدارة الموارد الاستراتيجية، ومكافحة التهريب، وتنظيم المسؤولية الجنائية، وضبط إصدار اللوائح، وتحديد العلاقة بين السلطات التنفيذية والمؤسسات القانونية. وهي ملفات تمس مباشرة قدرة الدولة السودانية على استعادة مؤسساتها وحماية مقدراتها والحفاظ على تماسكها في مرحلة شديدة التعقيد.
أولاً: النفط والسيادة الاقتصادية
تأتي إعادة تنظيم المؤسسة السودانية للنفط في مقدمة التعديلات ذات الدلالة الاستراتيجية، نظراً إلى الموقع الذي يحتله قطاع الطاقة في معادلة الأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية. فالنفط ليس مجرد سلعة تجارية أو مصدر للإيرادات، بل يرتبط بأمن الإمدادات، وتمويل الخدمات العامة، واستقرار الاقتصاد، والقدرة على إدارة العلاقات الإقليمية والدولية.ومن هذه الزاوية، فإن إعادة تنظيم المؤسسة وتشكيل مجلس إدارتها بمشاركة مستويات سيادية ووزارية وأمنية وخبرات متخصصة قد يعكسان توجهاً نحو تعزيز التنسيق المركزي في إدارة هذا القطاع الحيوي، وتطوير قدرته على مواجهة التحديات التي فرضتها الحرب.
غير أن نجاح هذا التوجه لن يُقاس بمجرد تغيير الهياكل والمسميات، بل بمدى قدرته على تحقيق نتائج ملموسة، تشمل رفع كفاءة الإنتاج، وتحسين إدارة الإيرادات، ومكافحة الفساد والتهريب، وتعزيز الشفافية في العقود والاستثمارات، وضمان توجيه عائدات الموارد لخدمة المواطنين.كما أن ربط إدارة قطاع اقتصادي استراتيجي بمستويات سيادية عليا يستدعي تطوير آليات رقابة مالية وفنية مستقلة وفعالة، حتى لا تتحول مركزية القرار إلى مصدر جديد للتعقيد الإداري أو تضارب الاختصاصات. فالدولة القوية ليست تلك التي تجمع السلطات في مركز واحد فحسب، وإنما التي تستطيع إخضاع استخدام السلطة والمال العام لقواعد واضحة للمساءلة.
ثانياً: مكافحة التهريب وحماية القوات النظامية
تكتسب التعديلات المرتبطة بمكافحة التهريب أهمية خاصة في ظل الحرب السودانية، وما تفرضه من تحديات على مراقبة الحدود وحماية الموارد وملاحقة الشبكات التي تستغل ضعف المؤسسات واضطراب الأوضاع الأمنية.
ومن حيث المبدأ، فإن توفير الحماية القانونية للقوات النظامية المكلفة بمكافحة التهريب يمكن أن يسهم في تمكينها من أداء مهامها، خصوصاً عندما تواجه جماعات مسلحة وشبكات منظمة تعمل على استنزاف الاقتصاد الوطني.لكن هذه الحماية ينبغي أن تُفهم في إطار أداء الواجب القانوني، لا باعتبارها حصانة مطلقة من المساءلة. فالتشريعات التي تمنح سلطات تنفيذية أو أمنية صلاحيات واسعة تحتاج إلى معايير دقيقة تحدد نطاق استخدامها، وتضمن التناسب بين القوة المستخدمة وطبيعة التهديد، وتتيح التحقيق المستقل في أي ادعاءات تتعلق بالتجاوزات.
إن حماية القوات النظامية وحماية المواطنين ليستا هدفين متعارضين؛ بل إن وضوح القانون وعدالة تطبيقه يعززان شرعية المؤسسات وثقة المجتمع بها. ولا يمكن بناء أمن مستدام على الخوف وحده، وإنما على المهنية والانضباط والمساءلة المتساوية أمام القانون.
ثالثاً: النشر الإلكتروني والأمن القومي وحدود حرية التعبير
تثير التعديلات التي أدخلت النشر عبر الوسائط الإلكترونية والإعلامية ضمن نطاق المادة (50) من القانون الجنائي، المتعلقة بتقويض النظام الدستوري، نقاشاً بالغ الأهمية حول العلاقة بين الأمن القومي وحرية التعبير.لا خلاف على حق الدولة في مواجهة التحريض على العنف، والتخطيط للأعمال التخريبية، والتنسيق مع الجماعات المسلحة، ونشر المعلومات بقصد ارتكاب جرائم تهدد أمن البلاد. كما أن الفضاء الإلكتروني أصبح ساحة مؤثرة في الصراعات الحديثة، ويمكن أن يُستغل في التجنيد والتضليل والتحريض وإدارة العمليات العدائية.لكن التحدي الحقيقي يكمن في التمييز القانوني بين الفعل الإجرامي المحدد وبين التعبير السياسي أو النقد الصحفي أو تداول المعلومات، حتى عندما تكون هذه الممارسات مزعجة للسلطة أو مخالفة لروايتها الرسمية.وتزداد أهمية هذا التمييز عندما يتعلق الأمر بنص جنائي قد تترتب على تطبيقه عقوبات شديدة. فالتعبير عن الرأي، أو انتقاد أداء المسؤولين، أو نشر معلومات غير دقيقة دون توافر أركان الجريمة، لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى دليل على ارتكاب جريمة تمس النظام الدستوري.وعليه، فإن فعالية هذه التعديلات ستتوقف على دقة تفسير النصوص، وتوافر القصد الجنائي والأدلة المعتبرة، واستقلال القضاء، وضمان حق الدفاع والمحاكمة العادلة. فالأمن القومي لا يتحقق بإغلاق المجال العام، وإنما بحماية الدولة من التهديدات الحقيقية مع صيانة الحقوق التي تمنح مؤسساتها الشرعية والثقة.
رابعاً: إصلاح المؤسسات العدلية وتوحيد القواعد القانونية
إن امتداد التعديلات إلى قانون تنظيم وزارة العدل وقانون النيابة العامة وقانون تفسير القوانين والنصوص العامة يشير إلى أن الحزمة التشريعية لا تقتصر على الجانب الأمني، بل تشمل أيضاً بنية الإدارة القانونية للدولة.ومن أبرز المسائل التي تستحق الاهتمام إلزام السلطات المفوضة بإيداع اللوائح والقواعد لدى وزارة العدل لمراجعتها وتدقيقها قبل التوقيع عليها، والحصول على شهادة مطابقة للقانون الأصلي. فإذا طُبّق هذا الإجراء
مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر



















