بوابة الجزائر الإخبارية : شهدت ولاية تلمسان فعاليات ندوة دولية رفيعة المستوى حول المجاري المائية العابرة للحدود، غير أن ما تمخض عنها من توصيات وقراءات علمية دقيقة تجاوز حدود النقاش الأكاديمي ليرسم ملامح مواجهة قانونية وبيئية وشيكة. الأجواء الآخذة في التشكل اليوم تعكس توجه الجزائر بثبات ونَفَس استراتيجي نحو وضع حدّ لانتهاك صارخ لمبادئ حسن الجوار والقانون الدولي؛ توجّهٌ يضع نظام المخزن المغربي في مواجهة مباشرة مع تبعات تعمّده وتعنّته في تلويث مجرى “وادي مويلح” المحاذي للشريط الحدودي.
ففي وقت تصنف فيه الأطر الاستثنائية للأمم المتحدة حماية الموارد المائية كأولوية إنسانية وأخلاقية، تُترجم التحاليل المخبرية لمياه الوادي حجم الكارثة المفتعلة؛ نسب تلوث بالمعادن الثقيلة والمواد الكيماوية تجاوزت 400 مرة المعايير الدولية الموصى بها، متغذية على نفايات المناطق الصناعية لمدينة وجدة المغربية. شهادات الباحثين والخبراء الأفارقة المشاركين لم تدع مجالاً للشك: ما يحدث في وادي مويلح يمثل حالة استثنائية وفريدة من نوعها في القارة السمراء، حيث حُوّلت المياه العابرة للحدود من شريان للحياة إلى أداة لضرر بيئي وصحي هدد مستقبل نحو مليوني نسمة من الساكنة الجزائرية.
أمام هذا الواقع الميداني الذي ينطق بالحقائق والأرقام، تطرح السلوكيات الممنهجة للجارة الغربية تساؤلات حارقة حول دوافعها وأبعادها:
وفي هذا السياق يرى الدكتور حمد بوريق، رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة عمر المختار البيضاء، في تصريحه لبوابة الجزائر، أن قضية تلوث المجاري المائية العابرة للحدود تندرج من الناحية القانونية ضمن المسائل التي ينظمها القانون الدولي البيئي، ولا سيما المبادئ المتعلقة بحسن الجوار، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن لدول أخرى، إضافة إلى التعاون والإخطار المسبق وتبادل المعلومات بشأن الأنشطة التي قد تترتب عليها آثار بيئية عابرة للحدود. ويستدل في هذا الصدد بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن قانون استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، التي أرست إطاراً قانونياً يقوم على الانتفاع المنصف والمعقول بالموارد المائية، وواجب اتخاذ التدابير المناسبة لمنع إحداث ضرر ذي شأن بالدول الأخرى المتشاطئة.

ومن هذا المنطلق، يشدد بوريق على أن معالجة أي إشكال يتعلق بتلوث المياه المشتركة ينبغي أن تستند حتماً إلى الأدلة العلمية والتحاليل المخبرية المعتمدة، وإلى آليات التحقيق والتقييم البيئي المشترك، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو التوظيف السياسي للقضايا البيئية. كما يرى أن المصلحة الاستراتيجية لدول المنطقة تقتضي تغليب منطق التعاون والتنسيق، وتشكيل لجان فنية وقانونية مشتركة، مع الاستعانة بالخبرات والمنظمات الدولية المختصة للوصول إلى معالجة مستدامة تضمن حماية البيئة وصحة السكان وحقوق الأجيال، مؤكداً أن المياه العابرة للحدود ليست مجالاً للخلاف السياسي بل مسؤولية قانونية وإنسانية مشتركة، وأن حسن الجوار لا يُقاس بالتصريحات وإنما باحترام الالتزامات الدولية وصيانة المصالح المشتركة، إذ تظل سيادة الدول مصونة لكنها تقترن دوماً بمسؤولية احترام حقوق الآخرين، وحماية البيئة المشتركة، وعدم الإضرار بمصالح الشعوب المجاورة.
تسييس البيئة والموارد المائية وتداعيات الإرهاب المائي
في قراءته للأبعاد السياسية والميدانية للملف، يوضح خبير القانون الدولي ميخائيل ماهر، في تصريحه لبوابة الجزائر، أنه عندما يتسدّ الأفق الدبلوماسي وتتأزم العلاقات السياسية بين الدول، غالباً ما تبرز محاولات لنقل التوتر من مربعاته التقليدية إلى قطاعات حيوية حساسة، رغم أن الموارد المائية والبيئية تمثل في العادة خطاً أحمر إنسانيا وأخلاقيا لا يجوز تجاوزه بموجب القوانين والأعراف الدولية. ويشير الخبير في هذا السياق إلى أن تحويل مجرى مائي عابر للحدود إلى مكبّ للنفايات الصناعية الكيماوية والمعدنية بما يتجاوز المعايير الدولية بمئات المرات، لا يمكن تفسيره تقنياً بأنه مجرد عارض عرضي أو إهمال محلي عابر؛ بل يعكس غياباً تاماً لآليات الالتزام البيئي المشترك، ويطرح تساؤلات مشروعة عما إذا كان التغاضي عن هذه الانبعاثات يخدم حسابات ضيقة تهدف للضغط البيئي والاستنزاف التنموي والمجالي للمناطق الحدودية. وبناءً عليه، يشدد ميخائيل ماهر على أن المواثيق الدولية تؤكد أن الإضرار بالبيئة العابرة للحدود يشكل انتهاكا صارخا لسيادة الدول وتوازنها البيئي، مما يحوّل الموارد التي ينبغي أن تكون أدوات للتعاون والتنمية إلى بؤر توتر إضافية.
المرجعيات القانونية والآليات الدولية لانتزاع السيادة البيئية ومحاسبة المخالفية
وفيما يتعلق بمسار المواجهة القانونية والدبلوماسية، يبين خبير القانون الدولي ميخائيل ماهر عبر بوابة الجزائر أن التحرك الجزائري المحتمل يستند إلى قواعد صلبة في قانون المياه الدولي، أبرزها اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1997 الخاصة باستخدام القنوات المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، ومبدأ عدم الإضرار (No-Harm Rule) الذي يلزم أي دولة بعدم استخدام أراضيها أو مواردها بطريقة تلحق أضراراً جسيمة بالبيئة أو بمصالح الدول المجاورة، فضلاً عن إعلان ريو بشأن البيئة والتنمية الذي يؤكد مسؤولية الدول عن الأنشطة الواقعة ضمن ولايتها والتي تلحق الضرر بالبيئة خارج حدودها الوطنية.

ولضمان فعالية أي تحرك قانوني وانتزاع إدانة دولية أو تعويضات وجزاءات بيئية، يؤكد الخبير أن الجزائر تعتمد على حزمة من الآليات المتكاملة تشمل تقديم تقارير علمية وتوثيق مخبري معتمد يستند إلى أدلة قاطعة لخبراء دوليين وأفارقة ترصد بدقة نوعية الملوثات ومصدرها والآثار المباشرة على صحة السكان، إلى جانب حشد الدعم الدبلوماسي الإقليمي والقاري عبر إثارة الملف في المحافل المعنية بالتنمية المستدامة، وممارسة الضغط عبر الهيئات الأممية المختصة كبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) ولجان القانون الدولي المعنية بالنزاعات البيئية العابرة للحدود.












