جدلية “التزوير” في الجزائر من منظور آخر
لا تمر أي انتخابات رئاسية في تاريخ الشعوب العربية حتى ينقسم المنتخبون إلى ثلاثة أطياف،
الطيف المتوقع دائما وهو الموالون للنظام بنوعيهما، المستفيدون بطريقة أو بأخرى من منصب أو جاه أو مال، ونوع آخر هم المعتقدون من صميم قلوبهم أن ما يقومون به من موالاة كاملة لشخص الرئيس ما هو إلا لمصلحة الوطن، واستمرارية استقراره، مهما كانت نتيجة الانتخابات، فبقاء الوطن أن يبقى موحدا هو الغاية، وليس من يقود الوطن، لأن في تقديرهم كل شخص يسعى إلى كرسي الحكم، فإنه يغلب مصلحته الشخصية عن بقية المصالح، ويشترك جميع المترشحون لمنصب رئاسي في الكينونة المكانية، فلا تستطيع طرد أي رئيس حالي من منصبه بكل السبل المشروعة وغير المشروعة مهما حاولت، وبالتالي رئيس تعرفه أفضل من رئيس جديد أمامه سنوات عديدة حتى يستوعب ويشبع من المنصب.
أراد الجزائريون إرسال رسالة إلى العالم، أن وحدة الوطن أهم من جزئية من يحكم، واستمرار الرئيس الحالي في منصب رئيس الجمهورية، ما هو إلا قضية داخلية تهم الجزائريين بدرجة أولى
الطيف الثاني هم المقاطعون، وهم غالبا فئة مثقفة عددهم معتبر يقدر بحوالي 20-30% من إجمالي الطبقة الناخبة، تعتقد هذه الفئة من المجتمع أن التغيير لن يتحدث أبدا، فالنظام الحاكم هو علبة سوداء لن يتغير بتغير الأسماء والأشخاص، إنما من يمسك المنصب ما هو إلا ممثل يؤدي دورا منوطا به، وبالتالي يعتبرون أصواتهم إن سلبا أو إيجابا فإنها لن تحدث أي تغيير في معادلة الانتخابات، يكتفون بالصمت والمقاطعة.
الطيف الثالث، هم المعارضون، وغالبا ما ينقسمون إلى قسمين، قسم مؤثر، وهو من يستغل هذا الطيف للصعود والبحث عن منصب يمكنه من تحقيق شهوة الحكم التي يطمح إليها، معارضون كثيرون هم في الأساس دكتاتوريون قبل أن يصلوا إلى الحكم، فكيف لو وصل أحدهم إلى منصب سيادي! أعتقد أنه على استعداد لقتل نصف شعبه إن عارضه. لدي تجربة واقعية على المستوى الشخصي، فقد التقيت بإحد المعارضين المقيمين بالخارج، كنت أستمع إليه قبل سنوات، كانت أفكاره مرتبة ومقتعة إلى حد ما، قبل أن يتحول إلى مهرج على مواقع التواصل الاجتماعي، عندما التقيته بشكل شخصي كان يتعامل باستعلاء وتكبر شديدين، كنت أسأل نفسي حيناها، ماذا لو حكم هذا الرجل؟
النوع الآخر من هذا الطيف هم المغفلون من المعارضين الذين يكونون أداة وطريقا يسلكها غيرهم للوصول إلى حكم أو منصب، يتميزون غالبا بالجهل ويشعرون دائما بأنهم الطبقة الدنيا والحلقة الأضعف في المجتمع، سيمتهم غالبا الفقر والجهل، ورغبتهم الظهور ومحاولة إسماع أصواتهم وإن كانت نشازا، يفرح أحدهم إن سلّم عليه مترشح أو أخذ صورة معه، تذهب الانتخابات بعرسها المؤقت، وتبقى هذه الفئة في الحضيض إلى أن يأتي الاعلان عن انتاخابات أخرى، أين يستغلهم غيرهم.
انتهى العرس الانتخابي في الجزائر والنتيجة كانت متوقعة منذ البداية، لكن في هذه الفترة بالذات كانت أجواء الانتخابات مختلفة، ونظرة المجتمع شبه ثابتة، لكن المتغيرات الجيوسياسية، وحدت آراء قسم كبير من المنتخبين، أراد الجزائريون إرسال رسالة إلى العالم، أن وحدة الوطن أهم من جزئية من يحكم، واستمرار الرئيس الحالي في منصب رئيس الجمهورية، ما هو إلا قضية داخلية تهم الجزائريين بدرجة أولى، وتعكس اهتمام أغلب فئاته باستمرار استقرار بلدهم، والوقوف إلى جانب قيادتهم في هذا الزمن الذي اجتمعت فيه كل قوى الشر للكيد بالبلد العربي الأكبر مساحة واقتصادا والأقدر على اتخاذ قرارات سيادية تخالف الرأي العربي المداهن في الكثير من القرارات الاستراتيجية العربية والإفريقية. استمرار الرئيس الحالي، هو رسالة إلى العالم أن الشعب هو السيد، وليس ما تمليه أي دولة أو موقع.
أثبت الجزائريون مرة أخرى أنهم أفقه في السياسة الخارجية من غيرهم، وأوفى لوطنهم وعروبتهم أكثر ممن يدعون الانتساب إلى العروبة والاسلام، وهم في الأساس منبع النفاق والشقاق وسوء الأخلاق.









