مقال بقلم : سارة محمد مرزوڨي
بوابة الجزائر الإخبارية : في تاريخ الأمم لحظات تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح جزءا من الوعي الإنساني. وكان أول نوفمبر 1954 واحدة من تلك اللحظات التي لم تغير مسار الجزائر وحدها، بل وضعت العالم أمام اختبار أخلاقي وسياسي عسير: كيف يمكن لقوى رفعت شعارات الحرية والتنوير أن تتمسك باستعمار شعب آخر، وتحرم ملايين البشر من أبسط حقوقهم في تقرير المصير؟لم تكن الثورة الجزائرية مجرد انتفاضة ضد سلطة أجنبية، بل كانت مواجهة مع فكرة استعمارية كاملة، أرادت إقناع العالم بأن التفوق العسكري يمنح صاحبه حق الوصاية على الآخرين. ومن هنا تجاوز صداها ميادين القتال، لتصبح قضية فكرية وأخلاقية استقطبت مفكرين من قارات مختلفة، وأعادت طرح أسئلة الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية.كان فرانتز فانون، الذي عاش التجربة الجزائرية وانخرط في دعم ثورتها، من أكثر المفكرين قدرة على تفكيك البنية النفسية للاستعمار.
ففي كتابه «معذبو الأرض» لم يتوقف عند عنف المحتل، بل تناول ما يتركه الاستعمار من جراح في وعي الإنسان، مؤكدا أن التحرر الحقيقي لا يكتمل برحيل المستعمِر ما لم يستعد الإنسان ثقته بنفسه وقدرته على صناعة مستقبله.أما جان بول سارتر، فقد واجه التناقض بين القيم التي أعلنتها الجمهورية الفرنسية وممارساتها الاستعمارية، وانحاز إلى حق الجزائريين في الاستقلال. وبذلك تحولت القضية الجزائرية إلى امتحان للفلسفة نفسها: ما قيمة الحديث عن الحرية إذا لم يكن الإنسان مستعدا للدفاع عنها حين يطالب بها الآخرون؟ولم يكن الموقف الأوروبي واحدا. فقد جسد ألبير كامو تعقيدات الانتماء إلى الجزائر الفرنسية ومخاوف العنف، ودافع عن حماية المدنيين، لكنه لم يتبنَّ مشروع الاستقلال الذي دافع عنه فانون وسارتر.
وهنا تكشف الثورة أن إدانة الظلم لا تعني دائما الوصول إلى النتيجة السياسية نفسها، وأن المبادئ لا تبلغ اكتمالها إلا حين تقود إلى الاعتراف بحق الآخر في اختيار مصيره.وفي الجزائر، قدم مالك بن نبي قراءة تتجاوز لحظة التحرر السياسي إلى شروط النهضة الحضارية. فالاستعمار، في رؤيته، ليس مجرد قوة خارجية، بل قضية ترتبط أيضا بقدرة المجتمع على بناء الإنسان وإنتاج المعرفة واستعادة الفاعلية التاريخية.
ومن ثم فإن الاستقلال ليس نهاية المعركة، بل بدايتها الجديدة: معركة بناء الدولة والعقل والمؤسسات.وعلى امتداد آسيا، وجدت الثورة الجزائرية صدى في مناخ عالمي مناهض للاستعمار. فقد مثل مؤتمر باندونغ سنة 1955 محطة مهمة لتدويل القضية الجزائرية، فيما دعمت الصين بقيادة ماو تسي تونغ الثورة سياسيا ودبلوماسيا، واعترفت بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية سنة 1958.
لم يكن ذلك موقفا فلسفيا بالمعنى الدقيق، لكنه جسد انتقال القضية من حدود الصراع الفرنسي الجزائري إلى ساحة العلاقات الدولية.وفي أمريكا اللاتينية، التقت تجارب التحرر المختلفة حول سؤال السيادة والعدالة، وبرز تشي غيفارا رمزا للتضامن الثوري الأممي، كما زار الجزائر المستقلة سنة 1963. وهكذا لم تعد الجزائر مجرد بلد يقاتل من أجل استقلاله، بل أصبحت جزءا من خريطة عالمية تتشكل فيها علاقات جديدة بين الشعوب التي رفضت استمرار الهيمنة الاستعمارية.ولم يكن جميع هؤلاء المفكرين متفقين في الوسائل أو الرؤى أو تصورات الدولة التي ينبغي أن تولد بعد التحرر.
لكن الثورة الجزائرية جمعتهم، بدرجات متفاوتة، حول سؤال ظل يؤرق الفكر السياسي الحديث: هل يمكن بناء عالم عادل بينما تحتفظ بعض الدول لنفسها بحق تقرير مصير شعوب أخرى؟لقد انتصرت الجزائر لأنها حولت مطلب الحرية إلى إرادة شعبية لا يمكن إخضاعها إلى الأبد، ولأنها أدركت أن البندقية وحدها لا تكفي، وأن الدبلوماسية وكسب الرأي العام الدولي جزء من معركة الاستقلال.
وكان تدويل القضية الجزائرية أحد المسارات التي أسهمت في نقلها من مواجهة استعمارية إلى قضية تحظى باعتراف دولي متزايد.لكن القيمة الأعمق لأول نوفمبر لا تكمن في استعادة النصر وحده، بل في مساءلة الحاضر على ضوء ذلك النصر.
فما جدوى أن تستعيد الأمم سيادتها إذا لم تحمِ استقلال قرارها؟
وما معنى التحرر إذا لم يتحول إلى عدالة اجتماعية ومعرفة ومؤسسات تصون كرامة الإنسان؟لقد هزمت الثورة الجزائرية الفكرة الاستعمارية في ميدانها، لكنها تركت للأجيال اللاحقة مسؤولية حماية المعنى الذي انتصرت من أجله. فالأوطان لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها، وإنما بما تحوله من تضحيات إلى مشروع للمستقبل.في أول نوفمبر، لا نستعيد فقط شعبا انتزع استقلاله، بل نستعيد لحظة أجبرت العالم على الاعتراف بأن الحرية لا تتجزأ، وأن الأمة التي تملك حق كتابة تاريخها لا تحتاج إلى إذن من أحد كي تكون سيدة مصيرها.
مقال رأي لا يعبر بالضرورة عن السياسة التحريرية لبوابة الجزائر





















