بوابة الجزائر الإخبارية: تُعتبر ظاهرة “الحرقة” أو الهجرة غير الشرعية من أبرز التحديات التي تواجه الجزائر، حيث تشكل تهديداً وتشويهاً لصورة البلاد وتعرض الشباب لمخاطر جسيمة، ولمواجهة هذه القضية بفعالية، يتعين تبني حلول متعددة الأبعاد تشمل استراتيجيات خارجية وداخلية، ترفع لحرج على السلطات العليا التي لا تملك حلول سحرية لتحقيق الرفاه الاقتصادي، فضلا عن ذلك عدم دخولها كطرف يحول بين المواطنين وطموحاتهم بحكم فشل النماذج والمخططات الاقتصادية الموروثة في حل مشكلات المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي التعامل كمشكلتهم بشكل وسطي من خلال محاولة توفير الظروف المواتية في الداخل ودعم خيارات الهجرة لمن يرغب فيها بإلحاح بشكل لا يؤثر عن الموارد البشرية التي تحتاجها البلاد، مع تحويل هؤلاء المهاجرين لقوة ناعمة تخدم المصالح التي تحتاجها البلاد، مع تخفيف عبء التشغيل الذي تعجز السياسات العمومية والقطاع الخاص على استيعابه.
بقلم: سيف الدين قداش

في هذا المقال، سنحاول الاستفادة من تجارب أجهزة الادماج الغربية التي حولت نماذج من هؤلاء الشباب من عديمي الفائدة إلى مواطنين نافعين، حيث سنقدم رؤية للحلول المقترحة مع التركيز على استراتيجيات ورؤى من الخارج والداخل، مع الاستفادة من نماذج ناجحة مثل نموذج كندا وتجربة الأوسبيلدوغ الألماني في جلب المهاجرين وتأهيلهم في الأولى وفي تطويرهم وتدريبهم في النموذج الثاني.

وفي إطار هاته الرؤية المجتمعية لمعالجة ظاهرة “الحرقة” أقترح التالي:
1 – إنشاء جهاز متخصص للهجرة القانونية:
إن تأسيس جهاز أو وكالة متخصصة ذات طابع إقتصادي لمساعدة الشباب على الهجرة القانونية، مع تقديم خدمات تشمل إصدار الشهادات وتوفير التدريب المهني الذي يكون مرتبطا بوزارة التكوين المهني والدول المستهدفة بشكل سريع ومدفوع، يمكن أن يكون له تأثير كبير، حيث يجب أن يكون هذا الجهاز مزودا بالموارد والخبرات اللازمة لتوجيه الشباب وتسهيل إجراءات الهجرة القانونية ويكون متوفرا على خريطة توجيه فعالة من خلال تقديم النصائح والإرشادات بشأن الخيارات القانونية المتاحة للهجرة، مما يساعد الشباب على اتخاذ قرارات مستنيرة، ويساهم في تقليل الدافع للهجرة غير الشرعية، ذلك أن تأسيس هذا الجهاز ضروري جدا لمحاولة الاستجابة بشكل حثيث لطموحات الشباب في إطار الحرية والخيارات الشخصية، مع توفيره لميكانيزمات الهجرة المضمونة تحت رعاية الدولة وحمايتها، وعمله لتسهيل إجراءات السفر مع “وزارة الخارجية” و”الممثليات الدبلوماسية” المعنية مع ربطهم بــ “القنصليات والسفارات الوطنية” من خلال قاعدة بيانات وتطبيق رقمي تحت وسم “مهاجر” بالخارج للحفاظ على حياة وكرامة المواطنين، وحفظ حياتهم ومساعدتهم في تحقيق طموحاتهم، أو إعادتهم للوطن في حال تعذر عليهم البقاء في بلد الهجرة، مع إحالتهم للمصالح المختصة لمتابعتهم ومساعدتهم للاندماج الداخلي.
2 – رفع التجريم عن ظاهرة “الحرقة”:
يجب أن نعترف بأن ظاهرة الحرقة جاءت بالأساس نتيجة فشل بعض السياسات الاقتصادية والمجتمعية، وعدم قدرة السلطات المتعاقبة على بناء نموذج اقتصادي يحقق التنمية والتشغيل والمستوى المعيشي المأمول للجزائريين، لذا من الضروري التعامل مع ظاهرة “الحرقة” كمشكلة اجتماعية واقتصادية بدلاً من معالجتها كجريمة، بحيث يجب تقديم دعم شامل للأفراد القائمين بها أو الذين يطمحون للقيام بها، يشمل الاستشارات النفسية، الدينية، القانونية والدعم الاجتماعي.

3 – برامج تدريب وتعليم مهني بالشراكة مع الدول الغربية:
إن على الدول الغربية التي تعاني من ظاهرة الهجرة المساعدة في احتواء الشباب “الحراق” من خلال تقديم برامج تدريب وتعليم مهني متقدمة بالتعاون والتوأمة مع مراكز تأهيل وتكوين للدول المتضررة من “الحرقة “، لكي تساهم هي بدورها من خلال برامج تأهيلية وتمويلية للمشاريع المصغرة في إدماج الشباب في الاقتصاد الوطني، عوضا لتحولها لعبء اقتصادي ومجتمعي على دولها، كما من شأن هذا المسار يمكن أن يساعد في تأهيل الشباب الجزائريين للوظائف المتاحة، والتي يحتاجها إقصاد هاته الدول في حال شدد هؤلاء الشباب على الهجرة.
بدوره نموذج كندا، التي تقدم برامج تعليمية وتدريبية للمهاجرين الجدد، يمكن أن يكون ملهمًا، حيث تعمل على إدماج الوافدين الجدد من خلال تطوير برامج تدريبية تتماشى مع المعايير الدولية وتقديم شهادات معترف بها، وهو نموذج يجب أن تعاون مع ” أوتاوا” حوله حيث يمكن للشباب الجزائريين الحصول من خلال هذا النموذج على مهارات مطلوبة في سوق العمل العالمي، وحصول الجزائريين سنويا على شطر معتبر ومدروس من المهاجرين لكندا، بشكل فعال ومثمر.

4 – توقيع اتفاقيات عمل موسمية أو دائمة مع الدول والشركات العربية أو الأوروبية والغربية:
يجب أن تسعى وزارة العمل للبحث عن فرص عمل للجزائريين في الوجهات التي يطمحون للعمل فيها ومن هذه الخيارات، تُعد مسألة توقيع اتفاقيات مع الدول والشركات العربية ( الخليجية) أو الغربية ومنها الأوروبية لتوفير العمالة الدائمة أو الموسمية وهي أحد الحلول المهمة لمكافحة ظاهرة “الحرقة”، حيث تتيح هذه الاتفاقيات للجزائر تصدير العمالة القانونية في مجالات مثل الزراعة والبناء والخدمات، وفق ما كانت تقوم به في ستينات وسبعينات القرن الماضي، مما يقلل من الحاجة للهجرة غير الشرعية، وهو ما يقوم به الجار الغربي مع إسبانيا في توفير العمالة الموسمية في القطاع الفلاحي، وفي هذا الشأن يتعين من خلال قسم متميز من مديرية التعاون الخارجي في وزارة العمل، توفير عروض للدول والشركات التي تعاني من نقص في العمالة العادية أو عالية التكوين لتزويدها بها مع توفير الحماية القانونية الرسمية لها، وجعلها كأداة لجلب العملة الصعبة وتنمية الاقتصاد من زاوية أخرى.
5 – تحسين نظام الأجور وتحريرها:
إن من المشاكل المطروحة بقوة في الجزائر اليوم هو ازدواجية مستوى الأجور للعامل الجزائري لدى الشركات الأجنبية مقارنة بالعامل الأجنبي حيث يشتكي الجزائريون من تلقيهم أجورا أدنى بكثير من نظرائهم الأجانب، وهو الملف الذي ينبغي أن تفتح فيه وزارة العمل تحقيق معمق وتتخذ إجراءات حاسمة في كل ما يتعلق بعمل الجزائريين خصوصا الذين يعملون لدى شركات أجنبية، وإعطاء الأولوية في التوظيف والأجور للكفاءات الوطنية، واتخاذ إجراءات صارمة بإزاء الشركات الأجنبية في حال التلاعب بملف التوظيف ومخالفة القواعد.
بالمقابل، تحتاج الجزائر إلى مراجعة نظام الأجور لضمان تلبيتها لاحتياجات التكاليف المعيشية، من خلال تحرير الأجور وتعديلها بما يتماشى مع ارتفاع القدرة الشرائية، مما من شأنه أن يُحسن جودة الحياة ويُقلل الحاجة للهجرة غير الشرعية.
6 – تطوير برامج التدريب والتكوين المهني:
من بين الأمور التي ينبغي أن تصبح ضرورية وملزمة هي إجبارية حصول كل تلميذة أو تلميذ انقطع عن الدراسة على تأهيل مهني “دولي ومحترف” يؤهله للاندماج في حركة الاقتصاد (مع تقديس المهن والحرف)، يكون مسبوقا بتكوين آخر لمدة شهر حول المهن والحرف و آليات الدعم وطرق الاستفادة مثلا من قرض أو قطعة أرض مع شرح السياسات العمومية في الاستثمار والتشغيل والتمويل بشكل مُعمق مما يجعل المواطن قادر على اختيار المهنة و هو مطلع على كيفية تنفيذ مشروع ميداني فيها، وهنا ينبغي إنشاء برامج تدريب مهنية محلية تُركز على تزويد الشباب بالمهارات المطلوبة في سوق المقاولاتية أو العمل مع التركيز على استخدام التقنيات الحديثة والممارسات العالمية التي يمكن أن يكون لها تأثير كبير في تقليل البطالة والهجرة غير الشرعية، حيث يعد نموذج الأوسبيلدوغ في ألمانيا، الذي يجمع بين التعليم الأكاديمي والتدريب العملي في الشركات وورشات التدرب نموذجا ناجحا من خلال برامج توفر تدريبا تقنيا ومهنيا وفقا لاحتياجات السوق المحلي والدولي، مما يساعد الشباب على اكتساب مهارات مباشرة تعزز فرص توظيفهم.
7 – جذب المشاريع الاستثمارية الأجنبية:
استقطاب الاستثمارات الأجنبية يعد خطوة حاسمة لتحسين الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل جديدة، وتأهيل وتطوير الفرد الجزائري مهنيا، وتحسين أداء الاقتصاد، مما من شأنه توفير فرص عمل تقلل من الهجرة وتطور مستوى تأهيل الأفراد وهو ما قامت به الصين، الهند التي انتشلت ملايين من البطالين من الفقر من خلال الاستثمارات الأجنبية ودعم الاستثمارات والتشغيل في الداخل.
في الختام، تتطلب معالجة ظاهرة “الحرقة” تبني نهج شامل يتضمن استراتيجيات فعالة من الخارج والداخل، من خلال توقيع اتفاقيات مع الدول الأوروبية لجلب العمالة الموسمية، جذب المشاريع الاستثمارية الغربية، وتطوير برامج تدريب مهني محلية، بحيث يمكن للجزائر تقديم فرص هجرة مهنية قانونية للشباب وتقليل الحاجة للهجرة غير الشرعية. إضافة إلى ذلك، يجب معالجة “الحرقة” كمشكلة اجتماعية واقتصادية وتوفير دعم شامل للشباب لتجاوز التحديات التي يواجهونها، بالنظر إلى النماذج الناجحة مثل تجربة كندا مع الهجرة ونموذج الأوسبيلدوغ الألماني للتأهيل والتشغيل، وهو ما يمكن الجزائر من تحقيق تحسينات ملحوظة في ظروف الشباب وتقليل ظاهرة “الحرقة” بشكل فعال.






























